رواية انخدعنا لدينا شحاتة.. مأساة جيل وقع فى فخ الوهم - بوابة الشروق
الأحد 13 سبتمبر 2026 2:11 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

رواية انخدعنا لدينا شحاتة.. مأساة جيل وقع فى فخ الوهم

مى فهمى
نشر في: الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 10:08 م | آخر تحديث: الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 10:08 م

تقدم الكاتبة والطبيبة المصرية دينا شحاتة فى روايتها «انخدعنا» تشريحا أدبيا واجتماعيا يصف جيل بأكمله، سقط فى فخ الأوهام الكبرى وتجرع مرارة التهميش.

الرواية ليست مجرد تتبع لقصة فردية، بل هى مرآة لازمة مجتمعة تتأرجح بين الرغبة فى التحقق وحتمية الانكسار، متخذة من مدينة بورسعيد الباسلة فضاءً زمنيا ومكانيا مشحونا بالتحولات.

شجن حسن الأسمر ولعبة «الدومينو»

تبدأ المغامرة الفنية للرواية من عنوانها «انخدعنا»، الصادرة عن دار الشروق، الذى يقف فى منطقة وسطى بين الفصحى المبسطة والعامية الدارجة، والمستوحى من الأغنية الشهيرة لأيقونة الشجن الشعبى «حسن الأسمر»، هذا الاختيار لم يكن عفويا، بل أردفت الكاتبة حضور الأسمر وصورته ليكون بمثابة الخلفية الموسيقية لرحلة الهزائم النفسية التى يعيشها الأبطال، والانحياز الواضح لطبقة المهمشين.

تتجاوز دينا شحاتة البنية التقليدية للسرد، وتتخذ من «جولات الدومينو» إطارا حكائيا وبنائيا متميزا؛ حيث تتحول طاولة القهوة ورسمة حجر الدومينو إلى معادل موضوعى لخيارات الإنسان فى الحياة، فكل نقلة يظن البطل أنه يختارها بحرية، يتضح لاحقا أنها مسار إجبارى مغلق يقود نحو خسارة مؤجلة.

التعدد الصوتى.. لغات لتفكيك الخديعة

تقوم الرواية على تقنية تعدد الأصوات لتفكيك مأساة البطل «طارق سيد العيسوى»، المشهور بـ«طارق العايق» وهو شاب من مدينة بورسعيد يعيش حياة مليئة بالأحلام الصغيرة التى يظن أنها قادرة على إنقاذه من قسوة الواقع. يحب طارق كرة القدم، ويعشق أغانى حسن الأسمر، ويرتبط وجدانيًا بأجواء السمسمية والبحر والحياة الشعبية البسيطة، لكنه يكتشف تدريجيًا أن معظم ما آمن به لم يكن سوى أوهام كبيرة.

وتتحرك الحكاية عبر ثلاث وجهات نظر تتبادل مقعد السرد لإظهار الحقيقة الكاملة وهى:

1- الراوى العليم: المتمثل فى الكاتبة والذى يمثل خديعة الحياد، ويرسم الملامح الأولى لطارق المتيم بالمظاهر والبحث عن النشوة والمزاج.

2- صوت البطل (طارق العايق): الذى يجسد خداع النفس، وهو شاب مهووس بحسن الأسمر، يعيش فى حياة تبدو مبهرة فى ظاهرها لكنها هشة ومأزومة فى باطنها.

3- المدينة (بورسعيد): وهى الشاهد الأكبر على الأحداث، وتتحول من مجرد خلفية جغرافية إلى سارد حى يعبر عن الخديعة الكبرى؛ المدينة التى أغوت أبناءها بتاريخها الفدائى وجغرافيتها المميزة، ثم تركتهم لضنك الانفتاح الاقتصادى والاغتراب.

دوائر الخديعة وأثر الحب

تتجلى ذروة الخديعة فى قصة حب طارق لـ«ميرفت» ابنة الريس حسين الغريب، من وجهة نظر الراوى العليم، يظهر أثر هذا الحب كمعركة يائسة لإثبات الذات؛ حيث تبدأ الخطبة بمشاجرة عنيفة يفتعلها طارق تحت منزل ميرفت مع شقيقها بعد سماعه بنبأ خطبتها لشخص آخر، يتدخل الريس حسين، وتأتى الخدعة الأعمق عبر تدخل «الحاجة أم سعيد» (والدة طارق)، التى تستغل حبا قديما ومكتوما فى قلب الريس حسين لها، لتضغط عليه وتفرض خطبة طارق وميرفت.

هذا الحب الذى ظنه طارق طوق نجاة، يكتشف لاحقا أنه لم يكن سوى مسرحية أداها بمهارة، واعتياد فرضته الجيرة، ليجد نفسه متورطا فى واقع جاف وأبناء ومسئوليات تسحق أحلامه القديمة.

تحولات المدينة والذاكرة الفلكلورية

كما تحضر بورسعيد فى الرواية بوصفها أكثر من مجرد مكان؛ فهى شخصية كاملة لها روحها الخاصة، بتاريخها الشعبى وأغانى السمسمية وذكريات المقاومة والحياة البحرية. وتنجح دينا شحاتة فى توظيف التراث الشعبى والأغانى، خصوصًا أغانى حسن الأسمر، لتكوين حالة من الحزن الإنسانى القريب من الناس البسطاء، وكأن الرواية كلها تُغنى بصوت شعبى حزين يروى خيبات المهمشين.

وتناقش الرواية قضايا عديدة مثل الفقر، والتفاوت الطبقى، وضياع الأحلام، وتغير المدن، والشعور بالاغتراب داخل الوطن. كما تشير إلى أحداث واقعية مؤلمة، مثل مذبحة استاد بورسعيد، باعتبارها لحظة كاشفة لانهيار الثقة والعدالة. وفى النهاية تطرح الرواية سؤالًا مؤلمًا: هل كان الإنسان مخدوعًا طوال الوقت، أم أن الوهم نفسه كان ضروريًا ليستطيع الاستمرار فى الحياة؟

نزع غلاف الوهم

«انخدعنا» هى رواية تصدم القارئ بحقائق الواقع، وتنزع غلاف الوهم عن عيون البسطاء، نجحت دينا شحاتة بلغتها الشاعرية وسردها المتدفق فى تقديم نص فلسفى واجتماعى عميق، يثبت أن كل خسارة نمر بها ليست سوى حجر دومينو يسقط ليسقط وراءه أوهاما عشنا نظنها حقائق.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك