من هجمات 11 سبتمبر إلى حرب إيران.. كتاب جديد يرصد 25 عامًا من حرب الولايات المتحدة على الإرهاب ويصفها بـ "الكارثية"
في كتابه الجديد «حروب جميع الرؤساء: 25 عامًا من الحرب الأمريكية على الإرهاب»، تتبع الصحفي الأمريكي بيتر بيرجن سلسلة الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها الولايات المتحدة خلال حروبها في الشرق الأوسط، مستعرضًا قرارات 4 إدارات رئاسية متعاقبة، وما ترتب عليها من نتائج امتدت آثارها لأكثر من عقدين.
ومنذ الصفحات الأولى من الكتاب، الذي قدم سردًا للحرب الأمريكية على الإرهاب، يمكن للقارئ أن يستشعر أن المسؤولين الأمريكيين الذين تولوا إدارة الصراعات في الشرق الأوسط على مدار 25 عامًا يبدون، في كثير من الأحيان، إما عاجزين أو متهورين أو مدفوعين بمصالحهم الخاصة، ومع المزيد من القرآة، تبدو هذه الخلاصة أكثر رسوخًا، خصوصًا أن "بيرجن" استند إلى بحث واسع ودقيق في الأحداث والقرارات التي شكلت هذه الحروب.
ومع ذلك، لم يرى المؤلف أن الحرب على الإرهاب التي شنتها أمريكا كانت كارثية بالكامل؛ فقد أسهم تطوير الطائرات المسيّرة المسلحة في تمكين الولايات المتحدة من استهداف قادة تنظيم القاعدة وقتلهم من مسافات بعيدة، مع تقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأمريكيون. كما تبنى القادة العسكريون الأمريكيون في العراق، في نهاية المطاف، تكتيكات لمكافحة التمرد أثبتت فاعليتها بدرجة كبيرة، حتى وإن لم تتمكن من تغيير النتيجة النهائية للحرب.
كذلك، أشار الكتاب إلى أن الولايات المتحدة لم تتعرض منذ هجمات 11 سبتمبر لهجوم إرهابي واسع النطاق على أراضيها، وهي نتيجة لا يمكن تجاهلها عند تقييم حصيلة الحرب على الإرهاب.
ولكن هذه النتائج جاءت بتكلفة هائلة؛ إذ أنفقت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات، وقُتل نحو 7 آلاف من أفراد قواتها، إلى جانب مئات الآلاف من المدنيين العراقيين والأفغان، فيما انتهت حربان بالفشل، بينما لا تزال حرب ثالثة مستمرة، ورأى "بيرجن" أن هذه الحصيلة تجعل من الصعب العثور على جوانب إيجابية كثيرة في تجربة امتدت ربع قرن.
وغطى الكتاب مساحة واسعة من الأحداث، بدءًا من التحذيرات العديدة التي سبقت هجمات 11 سبتمبر بشأن تخطيط تنظيم القاعدة لتنفيذ هجوم كبير داخل الولايات المتحدة، ثم الإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان، مرورًا بالغزو الكارثي للعراق، ووصولًا إلى صعود تنظيم «داعش» وعودة طالبان إلى السلطة. وكان الكتاب قد أُرسل إلى الطباعة بعد وقت قصير من بدء الرئيس دونالد ترامب حربه الجوية على إيران في مطلع العام الجاري.
وامتلك المؤلف خبرة طويلة تجعله مؤهلًا لرواية هذه القصة؛ فهو صحفي مخضرم ومنتج أفلام وثائقية وأستاذ جامعي ومحلل للأمن القومي في شبكة «سي إن إن». وكانت أولى تجاربه الكبرى مع الأحداث التي صنعت التاريخ في أوائل عام 1997، عندما توجه إلى أفغانستان ضمن فريق تابع لـ«سي إن إن» لإجراء مقابلة مع أسامة بن لادن، الذي كان آنذاك شخصية متطرفة لم يكن كثيرون يعرفونها.
ومنذ ذلك الحين، ألف "بيرجن" أو شارك في تحرير نحو 12 كتابًا تناولت موضوعات الإرهاب ومكافحة التمرد، كما تمكن خلال سنوات عمله من بناء شبكة واسعة من المصادر داخل دوائر الحكومة والأمن القومي الأمريكي، وضم الكتاب شهادات ومقابلات مع أكثر من 500 شخص، وهو ما يعكس حجم الجهد الذي بذله المؤلف في تتبع تفاصيل القرارات التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
ولم يعتمد الكتاب على سرد درامي متسارع بقدر ما يقدم، بصورة متدرجة، مجموعة كبيرة من الوقائع والتفاصيل التي تكشف ما جرى خلف الكواليس، وتنقل القارئ من مفاجأة إلى أخرى، وصولًا إلى إدراك حجم الإخفاقات التي رافقت إدارة هذه الحروب.
وقدم "بيرجن" صورة شديدة الانتقاد لطريقة تعامل الرئيس جورج دبليو بوش مع العراق بعد هجمات 11 سبتمبر، إذ تتبع محاولاته للعثور على مبررات لغزو البلاد، ثم الجهود الكبيرة التي بذلتها إدارته للحد من التداعيات السياسية للحرب مع تحول العراق إلى مستنقع عسكري وسياسي.
كما وجه "بيرجن" انتقادات حادة إلى إدارة دونالد ترامب الأولى، والمفارقة أن فريق "ترامب" الأول للسياسة الخارجية والدفاعية في عام 2017 ضم عددًا من الضباط العسكريين الذين حققوا أكبر قدر من النجاح في حربيّ العراق وأفغانستان، لكن "ترامب" تخلص تدريجيًا من هؤلاء المسؤولين، مفضلًا الاعتماد على "حدسه" بدلًا من الاستراتيجية أو الاتساق أو المنطق.
وأشار الكتاب إلى أن "ترامب" بدا في كثير من الأحيان أكثر اهتمامًا بالصورة التي ستظهر بها الأحداث أمام الجمهور من اهتمامه بالتخطيط الاستراتيجي، كما ورد عبر صحيفة "النيويورك تايمز".
ومن بين الوقائع اللافتة التي رواها المؤلف ما حدث في 27 أكتوبر 2019، عندما دخلت ميلانيا ترامب بصورة غير متوقعة إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض، بينما كان زوجها ومستشاروه يتابعون بثًا مباشرًا لعملية تستهدف قتل أو اعتقال أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم «داعش».
وخلال العملية، طارد كلب عسكري أمريكي "البغدادي" إلى أحد الأنفاق، حيث فجّر نفسه بحزام ناسف. وبعد انتهاء العملية، دار النقاش بين المسؤولين حول أفضل طريقة يمكن للرئيس أن ينقل بها الخبر إلى الجمهور، واقترحت ميلانيا ترامب التركيز على الكلب، لأن "الجميع يحب الكلاب"، وبالفعل، تحدث "ترامب" في مؤتمره الصحفي عن الكلب الذي أصيب بجروح طفيفة، واصفًا إياه بأنه "كلب جميل" و"موهوب".
ولكن الجانب الأكثر خطورة، بحسب "بيرجن"، كان تعامل "ترامب" مع الحكومة الأفغانية الحليفة للولايات المتحدة، فمع حرصه على إعلان سحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان قبل انتخابات عام 2020، سمح "ترامب" لممثليه بالتفاوض مع حركة طالبان بشأن اتفاق للسلام من دون إشراك الحكومة الأفغانية المنتخبة ديمقراطيًا، وأتاح ذلك لترامب إعلان، قبل الانتخابات، أن آخر الجنود الأمريكيين سيغادرون أفغانستان في وقت مبكر من مايو 2021.
ورأى المؤلف أن تحديد موعد للانسحاب من جانب واحد خلال مفاوضات السلام يحول العملية من تفاوض إلى استسلام، وهو ما وصفه بأنه "تنازل مجاني"، وبينما حمّل "ترامب" المسئولية الأساسية عن هذه الخطوة التي أسهمت في تسريع انهيار الحكومة الأفغانية، فإنه انتقد أيضًا خلفه جو بايدن لعدم تراجعه عن الاتفاق.
واعتبر "بيرجن" أن قرار جو بايدن حوّل انسحابًا محرجًا إلى انسحاب مشين ومأساوي بكل معنى الكلمة، كما رأى أن صورة الولايات المتحدة وهي تتراجع أمام خصومها ربما شجعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على غزو أوكرانيا في العام التالي.
أما باراك أوباما، فتعامل معه "بيرجن" بقدر أكبر من التساهل؛ فقد استفاد أوباما من التطور المتزايد للطائرات المسيّرة، التي أتاحت للولايات المتحدة شن عمليات عسكرية عن بُعد، لكنه بالغ في الاعتماد عليها إلى درجة أدت إلى مقتل مئات المدنيين، وأسهمت في تنامي مشاعر الغضب تجاه الولايات المتحدة في أنحاء الشرق الأوسط، ونقل الكتاب عن "أوباما" قوله، إنه اكتشف أنه يجيد قتل الناس، ولم يكن يعلم أن ذلك سيكون إحدى نقاط قوته.
جدير بالذكر أن صدور كتاب «حروب جميع الرؤساء» بعد بضعة أشهر كان سيتيح للمؤلف فرصة تقييم التداعيات الكاملة للحرب التي اختار "ترامب" خوضها ضد إيران، إلا أن المؤلف أنهى كتابته في منتصف مارس 2026، أي بعد أسابيع قليلة من بدء هذه المغامرة العسكرية الأمريكية الجديدة.
وأشار "بيرجن" إلى أن هذه الحرب، مثل كثير من الحروب الأمريكية خلال السنوات الـ25 الماضية، قُدمت باعتبارها جزءًا من الحرب على الإرهاب، لكنها بدأت من دون قدر أكبر من التخطيط الذي سبق العمليات العسكرية السابقة.
وأشار إلى أن "ترامب" لم يبدِ اهتمامًا كافيًا بالدور الذي لعبته الطائرات المسيّرة في تمكين أوكرانيا من التصدي للجيش الروسي الأكبر حجمًا على مدى أكثر من 4 سنوات، كما لم يظهر أنه أخذ في الاعتبار كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تؤثر في أي صراع مع إيران، التي تعد من الدول الرائدة عالميًا في تصنيع الطائرات المسيّرة الرخيصة والمتطورة.
وتمثل أحد المحاور الرئيسية في كتاب "بيرجن" في إخفاق القادة الأمريكيين المتكرر في التخطيط لما سيحدث في اليوم التالي لأي عملية عسكرية. لكن في حالة إيران، رأى الكاتب أن "ترامب" لم يخطط حتى لما سيحدث في اليوم نفسه، مما يشي بعشوائيته المفرطة.
وبناءً على ذلك، خلص "بيرجن" إلى أن الولايات المتحدة تتجه على الأرجح نحو هزيمة كبرى أخرى في حربها على الإرهاب، وإن كان يتعين على القراء انتظار كتابه المقبل لمعرفة التفاصيل الكاملة لما ستؤول إليه هذه الحرب.