- أهالي ضحايا حادث الدواويس يروون لـ«الشروق» تفاصيل الساعات الأخيرة: ولادنا خرجوا للقمة عيشهم رجعوا في نعوش
- محافظ الشرقية يوجه بتجهيز الطرق المؤدية إلى سرادق العزاء وتوفير الإنارة اللازمة
لم تتوقع أسر ضحايا حادث التصادم الذي وقع بين سيارتي نقل عمال بطريق "الدواويس" في الإسماعيلية أن تكون الساعات التي خرج فيها أبنائهم من منازلهم للعمل أو الدراسة هي الساعات الأخيرة في حياتهم، وأن الأبواب التي أغلقت خلف هؤلاء الشباب لن تفتح مرة أخرى لاستقبالهم، وأن انتظار عودتهم سيتحول إلى انتظار لجثامينهم؛ ففي قرى ومراكز الشرقية كانت المأساة أكبر من مجرد حادث، إذ كان بين الضحايا أشقاء رحلوا معا، وعرسان لم يمضي على زواجهم سوى أشهر قليلة، وطلاب كانوا يستعدون لمستقبلهم، وأرباب أسر كانوا يتحملون مسئولية زوجاتهم وأبنائهم وذويهم.
بينما كانت سيارات الإسعاف تنقل المصابين إلى المستشفيات، كانت أسر الضحايا بمركزي أبو حماد والحسينية بمحافظة الشرقية تتلقى الأخبار تباعا، لتبدأ واحدة من أقسى ليالي حياتهم.
تقول "سميحة سالم"، ربة منزل تبلغ من العمر 70 عاما، إنها لا تزال غير قادرة على استيعاب خبر وفاة حفيدها "مصطفى محمد خليفة"، الطالب بالصف الثالث الإعدادي، مضيفة لـ"الشروق" أن "مصطفى كان لسه في بداية حياته، وكان عنده أحلام كتير، ولسه بيكمل تعليمه.. ما كناش نتخيل إن اليوم ده هيكون آخر يوم في حياته".
وتروي الجدة أن الصدمة لم تتوقف عند وفاة "مصطفى"، موضحة أن اثنين من أشقائه، "محمد" و"أحمد سعيد"، أصيبا أيضا في الحادث.
وتضيف: "بدل ما نستقبل مصطفى ونطمن عليه، بقينا بنسأل على إخواته المصابين.. البيت كله اتقلب في لحظة واحدة، واحد فقدناه واتنين بنخاف عليهم".
وفي منزل آخر، كان حلم "أحمد عبدالكريم" قد اقترب من أولى خطواته، حيث روت أسرته لـ"الشروق" أن نجلهم كان طالبا بالثانوية العامة وقد تقدم لاختبارات القدرات بكلية التربية الرياضية استعدادا للالتحاق بالجامعة.
وتروي الأسرة: "كان فرحان إنه بدأ أول خطوة في طريق الجامعة، وكان نفسه يدخل كلية التربية الرياضية ويكمل حياته، لكن الحادث أنهى كل حاجة".
تزداد قسوة الحكاية بعدما فقدت الأسرة أيضا شقيقه "يوسف عبدالكريم"، الطالب بالصف الثاني بالمرحجلة الثانوية الفنية (التعليم الصناعي).
وتقول الأسرة: "أحمد ويوسف راحوا مع بعض، وإحنا لسه مش مصدقين إننا فقدنا اتنين في يوم واحد.. إحنا أصلا فقدنا والدتهم من قبل، ووالدهم كان شايل مسئوليتهم، والنهارده بقى بيواجه مصيبة أكبر".
عريس منذ 3 أشهر فقط
في عزبة "أبو عزباوي"، لم تكن أسرة محمد عبدالنعيم، 29 عاما، مستعدة لاستقبال خبر وفاته؛ حيث روت أسرته لـ"الشروق": "محمد كان لسه عريس ما كملش 3 شهور من جوازه.. كان لسه بيبدأ حياته ولسه المفروض يفرح ببيته وزوجته، لكن كل ده انتهى في لحظة".
وكشفت الأسرة أن "محمد" لم يكن مسئولا عن نفسه فقط، بل كان يتحمل أعباء أسرة كاملة: "والده عنده شلل ومش قادر يتكلم، ووالدته عندها مشاكل في رجلها، وكان محمد هو اللي بيصرف عليهم، وكمان كان مسئول عن زوجته وبيساعد عماته".
وتضيف الأسرة: "كان شاب شايل مسئولية، وأخوه متجوز وعايش بعيد، وأخوه التاني في الجيش، فمحمد كان موجود دايما جنب والدته ووالده.. إحنا مش بس فقدنا ابن، إحنا فقدنا السند اللي كان شايل البيت".

عريس آخر والمأساة واحدة
وفي قصة أخرى، تقول أسرة "محمد خالد أحمد" لـ"الشروق" إن نجلها لم يمضي على زواجه سوى 7 أشهر: "كان لسه بيبني حياته ولسه عريس جديد، وكنا بنفرح بيه وبحياته الجديدة لكن فجأة بقينا بنجهز لدفنه".
وتضيف الأسرة أن والده لم يتحمل صدمة فقدان نجله، فأصيب بوعكة صحية شديدة ونُقل إلى المستشفى: "فرحة الجواز اللي كانت من كام شهر اتحولت لمأتم. البيت اللي كان فيه فرحة بقى فيه عزاء".
أهالي أبو عجوة يودعون 4 أشقاء
في عزبة "أبو عجوة"، كانت الصدمة مضاعفة بعدما فقدت أسرة نجليها "إبراهيم أحمد السيسي" وشقيقه "كريم" في الحادث.
وتقول "منار"، شقيقتهما، لـ"الشروق": "إحنا مش عارفين نستوعب إن إبراهيم وكريم مش موجودين.. أخين خرجوا من البيت وما رجعوش".
وتروي أن "إبراهيم" كان متزوجا ولديه طفلة تبلغ من العمر عامين، وكان يتحمل مسئولية أسرته بعد وفاة والده قبل نحو 7 أشهر: "إبراهيم كان هو اللي شايل البيت.. كان بيشتغل باليومية وبيصرف على زوجته وبنته ووالدته وإخواته الثلاثة".
وتضيف: "والدنا مات من حوالي 7 شهور، وإبراهيم وقف مكانه وشال المسئولية، لكن إحنا فقدناه هو كمان"، مؤكدة أن والدة "إبراهيم" لم تتحمل وقع الخبر، فسقطت أثناء تلقي العزاء ونُقلت إلى المستشفى.
وأضافت منار: "أمي فقدت زوجها وبعده ابنها اللي كان سندها، والنهارده البيت كله مكسور".
وفي أسرة أخرى، رحل الشقيقان "محمود إبراهيم سالم"، 25 عاما، و"محمد إبراهيم سالم"، 20 عاما، في الحادث نفسه.
وتقول أسرتهما لـ"الشروق": "محمود ومحمد كانوا إخوات، وخرجوا زي كل يوم، لكن رجعوا لنا جثامين.. محمد كان بيؤدي خدمته العسكرية وكان قدامه مستقبل، ومحمود كان لسه في عز شبابه، محدش كان يتخيل إن الاتنين هيروحوا في نفس الحادث".
وتتابع: "أصعب حاجة إن الأسرة تستقبل خبر فقد اتنين من أولادها في يوم واحد. مش عارفين نعزي مين في مين".

جنازات الضحايا تجمع الأهالي
لم تكن جنازات الضحايا مجرد مراسم لدفن الموتى، بل تحولت إلى مشاهد تختصر حجم المأساة التي ضربت عددا من قرى الشرقية.
تقول إحدى أسر الضحايا لـ"الشروق": "الناس كلها كانت واقفة، الكل جاي يودع أولادنا.. محدش كان مصدق إن الشباب اللي خرجوا الصبح عشان يشتغلوا رجعوا في نعوش".
وتروي الأسر أن لحظات تشييع الجثامين كانت الأصعب، خصوصا بالنسبة للآباء والأمهات والزوجات والأطفال الذين وقفوا أمام حقيقة قاسية لم يكن أحد مستعدا لها.
وتقول إحدى الأسر: "أصعب لحظة كانت لما شوفنا الجثمان.. كنا لحد آخر لحظة بنتمنى يكون فيه خطأ وإن ابننا يكون لسه عايش".
وفي الوقت الذي كانت فيه الأسر تستقبل جثامين أبنائها، كان المصابون يتلقون العلاج داخل مستشفى القصاصين المركزي، حيث تفقد المهندس حازم الأشموني، يرافقه اللواء نبيل السيد حسب الله، محافظ الإسماعيلية، المستشفى للاطمئنان على المصابين.
ووجه محافظ الشرقية، المهندس حازم الأشموني، الأجهزة التنفيذية بسرعة تجهيز الطرق المؤدية إلى سرادق العزاء وتوفير الإنارة اللازمة

