رحلة فى مكتبة الكونجرس تكشف علاقة أمريكا بثورة 1919 - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2020 10:24 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

جهد بحثى كبير لمحمد أبو الغار يضيف للمكتبة العربية كتابا متميزا

رحلة فى مكتبة الكونجرس تكشف علاقة أمريكا بثورة 1919


نشر فى : السبت 15 فبراير 2020 - 9:30 ص | آخر تحديث : السبت 15 فبراير 2020 - 9:30 ص

محمد أبو الغار يستعرض وثائق لم تنشر كانت مدفونة داخل عشرات الآلاف من أوراق مكتبة الكونجرس
التوصل لمراسلات القنصل الأمريكى بالقاهرة لوزير خارجية بلاده والمندوب السامى البريطانى وردود أعضاء مجلس الشيوخ
الوثائق كشفت اختلافا كبيرا بين ما يقوله ويؤمن به الرئيس الأمريكى ويلسون آنذاك وبين ما يقرره على أرض الواقع
أمريكا أيدت الحماية البريطانية لكن علمها رُفع بجوار عَلمَى فرنسا وإيطاليا فى المظاهرات الرافضة بمصر
ثورة 1919 والتضحيات التى حدثت فيها يمكن أن تبعث الأمل والنهضة فى مصر وتدفعها للأمام
أثار الاحتفال بمئوية ثورة 1919 الحماس والرغبة فى المعرفة وإعادة قراءة التاريخ، حيث كان من أسباب الاهتمام بها، أحداث ثورة 25 يناير 2011 ونتائجها، وما حدث بعدها فى السنوات الماضية.
كل ذلك شجع المهتمين بالأمر – وخاصة الشباب – على البحث والتقصى فى أوراق وكتب ثورة 1919،حيث حاول الكثيرون استقصاء قدر أكبر من المعلومات عن طريق الإنترنت، ولجأ الباحثون إلى الأراشيف الكبرى وخاصة الأرشيف البريطانى.
وبعد مرور مائة عام على الحدث، أصبح الكثير من الأمور متاحا للقارئين والدارسين، ولكن ما زال هناك غموض ونقص فى المعلومات عن أحداث هامة قبل وأثناء وبعد الثورة. وهو ما دفع الدكتور محمد أبو الغار للبحث فى إحدى النقاط الهامة المتعلقة بثورة 1919 بعدما اكتشف ندرة المعلومات عنها رغم أهميتها، وهى علاقة الولايات المتحدة بالثورة.
وهكذا جاء كتابه المهم الذى نشرته دار الشروق، وتم إطلاقه يوم الأحد الماضى، وحضره الكثير من الدارسين والباحثين والمهتمين وجمهور كبير امتلأت به قاعة مكتبة مصر العامة بالزمالك.
يقول أبو الغار إن الكتاب العمدة فى هذا الموضوع كان للمؤرخ الكبير وقطب الحزب الوطنى عبدالرحمن الرافعى عن ثورة 1919، بأجزائه المختلفة، مادة خصبة وأساسية لكل مَن يدرس الثورة وأحداثها.
ما ذكره الرافعى حول قيام سعد زعلول بإرسال محمد محمود باشا من باريس إلى واشنطن للدفاع عن موقف مصر فى مجلس الشيوخ الأمريكى، واتفاقه مع مُحامٍ أمريكى للدفاع عن مصر وحقها فى الاستقلال كان لافتا للانتباه، ومثيرا للكثير من التساؤلات التى كان فى مقدمتها، هل وصل فعلا محمد محمود باشا ومحاميه إلى مجلس الشيوخ؟ وهل حدث نقاش أو صدر قرار؟ ومتى سافر محمد محمود باشا؟ وهل كان للولايات المتحدة دور محتمل فى إيجاد حل للمسألة المصرية؟ حيث لم يعلق الرافعى على نتائج هذا العمل وما حدث بدقة.
من المعروف والموثق فى جميع المراجع أن الرئيس الأمريكى ويلسون قد أيد رأى بريطانيا فى استمرار الحماية على مصر، وهو ما استدعى اهتماما خاصا من الدكتور محمد أبو الغار، ودفعه لسؤال الكثيرين من أساتذة التاريخ بحثا عن تفاصيل شافية.
وفى هذا الصدد يقول أبو الغار «لم أجد إجابة شافية، وقالوا إنه لم يحدث شىء هام فى مجلس الشيوخ»، مضيفا: «قررت المثابرة والبحث فى الإنترنت؛ فوجدت تخبطا فى كلام الرئيس الأمريكى ويلسون، الذى أعلن من ناحيةٍ حقَ الشعوب فى تقرير المصير والاستقلال، ومن ناحيةٍ أخرى موافقته على استمرار الحماية على مصر».
وأردف أبو الغار «وجدت أيضا تخبطا فى رأى القنصل الأمريكى فى مصر فى ذلك الوقت، الذى أعلن أن أمريكا تؤيد الحماية، وفى نفس الوقت أرسل إلى وزارة الخارجية فى واشنطن يقول إن المصريين يُحرزون نصرا بعد نصر فى طريقهم للاستقلال»، متابعا أى – أبو الغار ــ «إذا كانت الولايات المتحدة قد أيدت رسميا قرار الحماية، فكيف تُرفع الأعلام الأمريكية فى الشوارع تحية لهم أثناء المظاهرات؟! وهو أمر موثق فى الكثير من الكتب التاريخية، وتوجد صور للمظاهرات ترفع علم أمريكا بجوار عَلمَى فرنسا وإيطاليا».
أثار هذا هذا الأمر حماس أبو الغار، فقام بمحاولة الوصول إلى مكتبة الكونجرس الأمريكية عن طريق الإنترنت لكنه فشل، ودفعه ذلك لإجراء اتصالات بأصدقاء مصريين يعيشون فى الولايات المتحدة لطلب المساعدة.
فى غضون ذلك قادت الصدفة وحدها أبو الغار إلى اجتماع مشترك لمجلس إدارة جامعة زويل مع مجلس الأمناء، والذى يشترك فيه بعض الحاصلين على جائزة نوبل وآخرون، وهنا يقول أبو الغار: «وجدت أننى أجلس بجوار السيد فرانسيس ريكياردون رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأخبرته بأننى سوف ألقى محاضرة فى الجامعة الأمريكية فى مبنى التحرير يوم 9 مارس 2019، ضمن برنامج ثقافى احتفالا بمرور مائة عام على ثورة 1919، موضحا له أن هناك احتمالية لوجود دور أمريكى غير معروفة تفاصيله، وغير مكتوب عنه بدقة فى كتب التاريخ».
ويستطرد أبوالغار: «أبلغنى السيد ريكياردون أنه سوف يحاول أن يساعدنى، بالفعل بعد 72 ساعة فقط، تلقيت رسالة عبر البريد الإلكترونى من السيد وليم كوبيكى المسئول عن مكتبة الكونجرس فى السفارة الأمريكية، واستطعت الحصول منه على الآلاف من الوثائق عن ثورة 1919، وحدثت عدة مراسلات بيننا، استفدت منها كثيرا أثناء التحضير لهذا الكتاب».
وواصل أبو الغار استخلاص أحداث لها علاقة بثورة 1919 والولايات المتحدة فى عمل صعب ومُجهد استغرق ساعات طويلة للحصول على تفاصيل دقيقة مكتوبة فى سطور قليلة داخل آلاف الصفحات، مستئنفا التقصى بعيدا عن مكتبة الكونجرس، ليجد معلومات متناثرة فى الكتب والوثائق، ورسالة ماجستير وأخرى دكتوراه عن هذا الموضوع فى جامعات أمريكية.
واستطاع الدكتور أبو الغار الحصول على الصحف الأمريكية فى ذلك الوقت، وكذلك رسائل الصحفى الأمريكى الأهم فى مصر أثناء الثورة، كما توصل للرسائل الموجهة من القنصل الأمريكى فى القاهرة إلى وزير الخارجية الأمريكى وإلى المندوب السامى البريطانى، وكذلك بعض رسائل القنصل الأمريكى فى الإسكندرية، بالإضافة إلى برقيات وزير الخارجية الأمريكى إلى القنصل فى مصر، وبعض مراسلاته وردوده على أعضاء مجلس الشيوخ، وكذلك مراسلاته مع سفير بريطانيا فى واشنطن ووزارة الخارجية البريطانية.
وهنا يوضح أبوالغار «بالعودة للكتب المصرية المتاحة، توصلت إلى البرقيات المصرية المرسلة من سعد زغلول إلى الرئيس ويلسون ومجلس الشيوخ الأمريكى، وحصلت على الوثائق الخاصة بالمحامى الأمريكى جوزيف فولك الذى دافع عن حقوق مصر فى مجلس الشيوخ والصحف الأمريكية، ونص مرافعته فى مجلس الشيوخ، كما توصلت إلى معلومات لم تكن معروفة بدقة عن رحلة محمد محمود باشا إلى أمريكا وما حدث بعدها، ورحلة زوجة فولك إلى القاهرة بعد وفاته، ورفعها قضية على حزب الوفد وعلى سعد زغلول ومحمد محمود».
اتضح من الكتب والأبحاث المنشورة فى مصر، وكذلك من الوثائق المصرية، أن بها معلومات طفيفة عن دور أمريكا أثناء الثورة، وبات واضحا أن هناك اختلافا كبيرا بين ما يقوله ويؤمن به الرئيس الأمريكى ويلسون آنذاك، وبين ما يقرره على أرض الواقع، وقد عكست نقاشات لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكى ديمقراطية وحرية ونشاطا واهتماما كبيرا منذ أكثر من مائة عام.
أعطت هذه الوثائق شحنة كبيرة من الطاقة لأبو الغار دفعته لقراءتها بدقة، ومقارنتها بما كُتب فى الوثائق المصرية، ليعرض بعد ذلك على القارئ والدارس المصرى ما توصل إليه.
بعد التقصى والتدقيق والبحث، وجد أبو الغار أن الوثائق التى قام بترجمتها بنفسه دون الاستعانة بمترجمين، لم يسبق أن نُشرت باللغة العربية أو الإنجليزية أو أى لغة أخرى؛ حيث كانت بمثابة كنزا مدفونا داخل عشرات الآلاف من أوراق مكتبة الكونجرس الأمريكية، ليضعها بعد تفرغ شبه كامل لدراستها بين يدى القارئ المصرى حتى يكون أول من يقرأها فى العالم .
وفى هذه الفترة دُعى أبوالغار لإلقاء محاضرة عن ثورة 1919 فى جامعة نيويورك فى مايو 2019، كانت ضمن برنامج يوم كامل عن الثورة بحضور مجموعة كبيرة من أساتذة التاريخ والباحثين، ومشاركة عدد من المصريين الأمريكيين وكذلك الأمريكان المهتمين بالتاريخ وطلبة التاريخ فى جامعات نيويورك.
يقول أبو الغار: «أشعر بسعادة غامرة حين أشاهد الآلاف من الشباب المصرى يهتمون بأحداث ثورة 1919، ويحضرون الندوات الخاصة بها، ويستمعون بكثافة إلى أغانى سيد درويش فى احتفاليات الثورة»، مضيفا: «أن النظرة المحايدة والأمينة، وعرض مختلف الآراء المتباينة، والتوثيق الدقيق، أمور هامة فى جميع الدراسات التاريخية، وأعتقد أن ثورة 1919 والتضحيات التى حدثت فيها على جميع المستويات، يمكن أن تبعث الأمل والنهضة فى مصر، وتدفعها للأمام».
ويوضح أبو الغار أنه خصص هذا الكتاب لتوضيح علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالثورة المصرية أثناء اندلاعها، وتَصرُف أمريكا حيال تداعياتها، وتطور العلاقة مع مصر فى هذه الفترة، دون أن يتطرق الكتاب إلى أحداث الثورة إلا فى أضيق الحدود.
الحماية البريطانية
عند إعلان الحرب العالمية الأولى، عام 1914، وفور دخول بريطانيا الحرب، قررت الحكومة المصرية الوقوف مع بريطانيا، وقدمت جميع التسهيلات الممكنة لها فى الموانئ المصرية وفى كل أنحاء البلاد، ومنعت التعامل أو الاتصال أو التجارة مع ألمانيا ورعاياها، وامتد ذلك إلى النمسا والمجر بعد تحالفهما مع ألمانيا ضد إنجلترا. وأُعلنت الأحكام العرفية فى مصر. وطلب قائد الجيش الإنجليزى من حسين رشدى باشا رئيس الوزراء اعتبار أن السلطة – فيما يتعلق بالدفاع عن مصر – أصبحت بالكامل فى يد الجيش الإنجليزى، واستمرت الحكومة المصرية فى إدارة الشئون المدنية داخل القطر المصرى. وبعد دخول تركيا الحرب ضد الإنجليز، أعلن القائد الإنجليزى أنه سوف يدافع عن حقوق مصر وحريتها.
وفى يوم 18 ديسمبر 1914 أُعلنت الحماية على مصر من جانب واحد، وهو إنجلترا، وجاء فى نص الإعلان زوال سيادة تركيا على مصر، وأن مصر أصبحت تحت حماية بريطانيا رسميا، وتلا ذلك خلع عباس حلمى من منصب الخديوى، وتولية حسين كامل أكبر الأمراء سنا على عرش مصر، ولُقِب بالسلطان حسين.
وأعلنت بريطانيا أن العلاقات الخارجية المصرية تكون من اختصاصها فقط، وألغت وزارة الخارجية المصرية، ولكنها فى نفس الوقت قررت أن تترك الحكم الداخلى فى مصر للمصريين، ولكن تحت إشرافها. ولم يحدث احتجاج من الوزارة، ولم يستقِلْ أحد من الوزراء، ولم تعترض الجمعية التشريعية المنتخبة، والتى من المفروض أن تمثل الشعب، وكان سعد زغلول وكيلها.
وأصدرت السلطة البريطانية قرارا بتعطيل الجمعية التشريعية المنتخبة من الشعب. وكان هناك غضب من الطلاب، ولكنهم عُومِلوا بقسوة، وتم فصل أعداد كبيرة منهم.
أعطى إعلانُ الحرب العالمية الأولى، ثم دخول الإمبراطورية العثمانية الحرب ضد بريطانيا، الفرصة للحكومة البريطانية لتحويل مصر من دولة محتلة بواسطة الجيش البريطانى ولكنها من الناحية القانونية غير تابعة لبريطانيا، إلى جزء من الإمبراطورية البريطانية، وبالتالى فإن إعلان مصر محمية قد فصلها تماما عن الإمبراطورية العثمانية، بالرغم من أنها كانت دولة مستقلة منذ عهد محمد على، مع تبعية صورية للإمبراطورية العثمانية.
وقد حارب الجيش المصرى مع الجيش البريطانى، وصد الهجوم التركى على قناة السويس فى عام 1915، والهجوم على سيناء عام 1916، وساهم العمال المصريون فى تمهيد الطريق حتى تتمكن السيارات البريطانية المدرعة من السير فى الصحراء.
وكانت قوات السنوسى الليبية قد استولت على السلوم وواحات سيوة والداخلة والخارجة والفرافرة والبحرية، وبمساعدة الجيش المصرى تم إعادة الجيش السنوسى إلى الحدود الطبيعية، وقام سلطان دارفور فى السودان بالانشقاق عن الحكومة السودانية، فقام الجيش المصرى بهزيمته، وتلقى رسالة شكر وتهنئة من الملك جورج الخامس. واضطرت مصر بالقوة الجبرية للاحتلال إلى تجنيد العمال، والذين مات منهم الكثيرون. واستولى الجيش الإنجليزى على الدواب والحبوب والمؤن، وجنَد الكثير من الشباب المصرى للمساعدة فى الحرب.
وقد تم إلحاق ما يقرب من ثلاثمائة ألف فلاح مصرى كخدمة معاونة للأعمال المدنية وخدمة للأعمال العسكرية، بمرتبات ضئيلة، وقد سافروا إلى فلسطين وسوريا واليونان وفرنسا حتى وصلوا إلى مدينة ليون. وبعد وفاة السلطان حسين كامل، تم وضع السلطان فؤاد مكانه سلطانا لمصر فى أكتوبر 1917.
وفى مؤتمر 1918 تم إعلان الهدنة بين ألمانيا والحلفاء، وكان النصر لبريطانيا وحلفائها.
إرهاصات ثورة 1919 وبدء الاهتمام بالولايات المتحدة
تبلورت فكرة طلب السفر إلى بريطانيا للمفاوضة على إلغاء الحماية وإعلان الاستقلال.
فى النهاية قابل وفد من سعد زغلول وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى، المندوب السامى البريطانى، يوم 13 نوفمبر عام 1918، وطلبوا التصريح بالسفر للتفاوض مع الحكومة البريطانية لإلغاء الحماية، وقد رفضت الحكومة البريطانية التصريح لهم، كما رفضت التصريح لرئيس الوزراء حسين رشدى باشا والوزير عدلى يكن باشا. (برقية من لندن إلى السير ونجت بتاريخ ديسمبر 1919).
وانتقل سعد زغلول لمخاطبة الشعب المصرى مباشرة عن طريق لقاءات متعددة، ولكن الإنجليز منعوا اجتماعاته الشعبية، فقام سعد زغلول بجمع 2 مليون توكيل من شعب تعداده أقل من 14 مليون نسمة منهم نسبة من الأجانب.
وأرسل سعد زغلول تلغرافا إلى الرئيس ويلسون يطلب منه الموافقة على إلغاء الحماية على مصر وإعلان استقلالها.
ثورة 1919
اشتعلت الثورة يوم 9 مارس عام 1919 بإضراب الطلبة فى المدارس العليا. وفى 10 مارس أضرب الأزهر، وتم إيقاف المواصلات العامة، وأغلقت البنوك والمحلات التجارية، وتلا ذلك احتجاج الأطباء وإضراب المحامين وموظفى الدولة. وفى 15 مارس أضرب الآلاف من عمال العنابر (السكك الحديدية). واشتركت السيدات للمرة الأولى فى المظاهرات يوم 16 مارس. وطافت بعض المظاهرات بالقنصليات الأمريكية والفرنسية والإيطالية، تطلب التأييد ضد بريطانيا.
امتدت الثورة بعد ذلك إلى الأقاليم، حيث كانت شديدة العنف، فتم قطع السكك الحديدية وخطوط التلغراف ومراكز البريد، وتم استشهاد ألف مصرى بتقدير الإنجليز وثلاثة آلاف مصرى بتقدير عبدالرحمن الرافعى الذى أرخ للثورة. وقُتل 36 جنديا وضابطا بريطانيا، بالإضافة إلى أعداد من الجرحى، كما قُتل عدد من المدنيين الأجانب. وفى بعض المناطق مثل مدينة زفتى، أعلن الأهالى العصيان والاستقلال.
وعمت المظاهرات كل أنحاء مصر، واستخدم الإنجليز العنف الشديد – بما فى ذلك الطائرات – لضرب المتظاهرين. واشترك الأقباط فى الثورة من أول أيامها بحماس شديد، وكان القمص سرجيوس هو النجم الشعبى الأول فى الخطابة فى المساجد والكنائس والشوارع. واضطرت بريطانيا لتغيير المندوب السامى السير ونجت، واستبدلت به الجنرال اللنبى الذى وصل إلى مصر يوم 25 مارس.
وأعلن الجنرال اللنبى المندوب السامى البريطانى، يوم 7 إبريل 1919، بعد أقل من أسبوعين من توليه منصبه خلفا للسير ونجت، الإفراج عن سعد زغلول وصحبه، وإلغاء قرار النفى، والسماح لهم ولجميع المصريين بالسفر إلى الخارج، وتلا ذلك مظاهرات فرح واحتفالات كبرى فى مصر. وعلى أثر ذلك وافق حسين رشدى باشا على تولى رئاسة الوزارة، وأخيرا شُغِل منصب رئيس وزراء مصر، الذى كان شاغرا لفترة بسبب رفض الجميع تولى هذا المنصب؛ تضامنا مع الشعب المصرى فى ثورته، وخوفا من غضب المصريين.
بعد ذلك قرر سعد زغلول السفر مباشرة إلى باريس فى محاولة للاجتماع مع الدول التى تصيغ اتفاقية الصلح وتحضر لتكوين عصبة الأمم.
وقامت السفينة كاليدونيا من بورسعيد تحمل الوفد المصرى، وتوقفت فى مالطا حيث انضم لهم سعد زغلول مع صحبه المنفيين، وتقرر أن يكون الوفد المصرى مكونا من سعد زغلول وعلى شعراوى وإسماعيل صدقى وحمد الباسل ومحمد محمود وعبدالعزيز فهمى وأحمد لطفى السيد ومحمد على علوبة وعبداللطيف المكباتى وسينوت حنا وجورج خياط ومصطفى النحاس وحافظ عفيفى وحسين واصف ومحمد أبو النصر وعبدالخالق مدكور، على أن تُوكَل الأعمال المساعدة إلى محمد بدر وجورج دومانى وعزيز منسى وويصا واصف؛ وذلك لإجادتهم للغة الفرنسية. وانضم للوفد واصف بطرس غالى المقيم فى باريس، وصحبهم محمود أبو الفتح كصحفى من جريدة وادى النيل. وأعلن عن حملة اكتتاب لتغطية مصاريف سفر المنفيين من الوفد من مالطا، وبقية أعضاء الوفد من مصر، بالإضافة إلى مصاريف الإقامة. وقد جمع المصريون مبلغا قدره مائتا ألف جنيه مصرى، وكان الجنيه المصرى فى ذلك الوقت يساوى أكثر من خمسة دولارات أمريكية. وهذا يعنى أنهم جمعوا مليون دولار، وهو مبلغ كبير جدا بمقاييس ذلك الزمان. وكانت التبرعات من الأفراد الأغنياء والفقراء. وقد ذكر سعد زغلول فى مذكراته أن أعضاء الوفد المصرى كانوا يُنفقون على أنفسهم من أموالهم الخاصة، وأن ميزانية الوفد خُصصت لأجور الموظفين وللمؤتمرات.
فى هذه الأثناء اعتبر الشعب المصرى أن الوفد الذى سافر إلى باريس هو ممثلهم الشرعى الوحيد؛ ولذا تقدم الموظفون إلى رشدى باشا رئيس الوزراء، طالبين دعم الوفد المصرى بإعلان أن الوفد الذى سافر إلى باريس هو ممثلهم الشرعى الوحيد، وأن وزارته ليست تابعة للحماية البريطانية وإنما هى وزارة ممثلة للشعب المصرى، وطلبوا أن يقوم الإنجليز بإخلاء الشوارع المصرية من جنودهم، وترك حماية الأمن والنظام للشرطة المصرية، وتضامن العمال والطلبة مع الموظفين.
فاضطرت وزارة رشدى باشا للاستقالة بعد أسبوعين فقط، أى يوم 21/4/1919، وقُبلت الاستقالة فى اليوم التالى بعد أن نصح اللنبى السلطان فؤاد بقبولها.
كان سفر سعد زغلول إلى باريس على رأس الوفد المصرى بمثابة اعتراف ضمنى من جميع السياسيين المصريين على اختلاف مواقفهم وأفكارهم، بمن فيهم المؤيدون لبريطانيا والمعتدلون، بأن زغلول أصبح ممثل مصر دوليا ومندوبا عنها أمام العالم.
عند وصول سعد زغلول إلى مارسيليا بالباخرة، علم أن المجلس المنعقد فى باريس قد وافق على اعتبار مصر محمية بريطانية قبل وصولهم، وكانت صدمة كبيرة للوفد المصرى، ولكنه لم ييأس، وبدأ نشاطه فى باريس فى محاولة لاكتساب المناصرين للموقف المصرى، ومنذ وصوله وجد تعاطفا من الصحافة الفرنسية وبعض السياسيين الفرنسيين.
فى الأيام الأولى لم يقابل سعد زغلول شخصيات هامة، فاتجه إلى الصحافة الفرنسية التى أبدت تعاطفا وهاجمت وحشية الإنجليز.
وأقام سعد زغلول حفل غداء دعا إليه 125 شخصية فرنسية وأجنبية مرموقة؛ لشرح الموقف المصرى. حضر منهم ستون مدعوا. وشبهت الصحف الفرنسية ما فعله الإنجليز بمثل ما فعله الألمان والأتراك فى ضربهم للمدنيين.
وقد اتصل الوفد بشخصيات أوروبية هامة، منها الكاتب الفرنسى الأشهر أناتول فرانس، صاحب المبادئ المعروفة فى الدفاع عن الديمقراطية والحرية، وكذلك سير فالنتين شيرول. وكان أحمد لطفى السيد وويصا واصف وواصف غالى من كبار المثقفين المتحدثين بالفرنسية، فاستطاعوا الاتصال بدوائر كثيرة فى باريس. وفى هذه الفترة نقل سعد زغلول ويصا واصف من الجماعة المعاونة إلى عضوية الوفد الرسمية.
صدر احتجاج من رابطة المصريين فى باريس ضد الولايات المتحدة، بعد أن أصدرت اعترافا بالحماية البريطانية على مصر، وقالوا إنهم لا يصدقون أن أمريكا تعترف بالحماية البريطانية؛ نظرا للمبادئ المعلنة للرئيس ويلسون، وحتى إنهم رفضوا أن يستمعوا إلى المصريين.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك