حصد 22 جائزة أوسكار وأسس تصورًا جديدًا للترفيه بوصفه فنًا وصناعة واقتصادًا.. وحوّل الخيال إلى عالم ملموس
تحل في مثل هذا اليوم 15 ديسمبر، ذكرى رحيل واحد من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الثقافة الشعبية الحديثة حول العالم؛ ألا وهو رجل الأعمال والمخرج والمنتج واختصاصي الرسوم المتحركة الأمريكي والت إلياس ديزني، الرجل الذي لم يكتفِ بابتكار شخصيات كرتونية محبوبة، بل أسس تصورًا جديدًا للترفيه بوصفه فنًا وصناعة واقتصادًا متكاملًا.
وُلد والت ديزني عام 1901 في شيكاغو، ونشأ في بيئة متقلبة اقتصاديًا، الأمر الذي صقل لديه مبكرًا الإصرار على النجاح، ومنذ بداياته الأولى في الرسم والتحريك بدا واضحًا أنه لا يرى الرسوم المتحركة بوصفها تسلية عابرة، بل لغة بصرية قادرة على السرد العميق والتأثير الوجداني.
وبعد عدة محاولات فاشلة وخسائر مالية، أسس مع شقيقه روي شركة صغيرة ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أضخم المؤسسات الإعلامية في التاريخ.
وجاءت اللحظة المفصلية في مسيرة "ديزني" عام 1928 مع ظهور شخصية ميكي ماوس، التي لم تكن مجرد فأر كرتوني مرح، بل رمزًا لبداية عصر جديد في الرسوم المتحركة، وقدم فيلم «القارب البخاري ويلي» الفأر ميكي لأول مرة، وكان من أوائل الأعمال التي نجحت في المزاوجة المتقنة بين الصورة المتحركة والصوت، واضعًا معيارًا تقنيًا وفنيًا غير مسبوق.
وسرعان ما تحوّل ميكي إلى أيقونة عالمية، وفتح الباب أمام ولادة عالم كامل من الشخصيات مثل ميني ماوس، ودونالد داك(بطوط)، وجوفي(بندق)، وسكروج (عم دهب) ، وكلها حملت بصمة "ديزني" في الجمع بين البساطة والعمق الإنساني.
ولكن طموح والت ديزني لم يتوقف عند الأفلام القصيرة، ففي عام 1937 خاض مغامرة اعتبرها كثيرون ضربًا من الجنون، بإنتاج أول فيلم رسوم متحركة طويل في التاريخ السينمائي، وهو «سنو وايت والأقزام السبعة»، وواجه الفيلم شكوكًا وسخرية قبل عرضه، لكنه حقق نجاحًا جماهيريًا ونقديًا هائلًا، مؤكّدًا أن الرسوم المتحركة قادرة على حمل سرد طويل ومعقّد، وممهدًا الطريق لسلسلة من الأعمال الكلاسيكية التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الإنسانية، مثل بينوكيو، وفانتازيا، و دامبو، وبامبي.
ولم تكن هذه الأفلام مجرد حكايات للأطفال، بل أعمالًا فنية ناقشت الخوف، والفقد، والأمل، والنضج، بلغة بصرية موسيقية مبتكرة، كما لم يكن "ديزني" مجرد رسّام أو منتج أفلام، بل كان صاحب رؤية شاملة جعلت من الخيال مشروعًا مستدامًا، ومن الحكاية وسيلة لتشكيل وجدان أجيال متعاقبة حول العالم.
- 22 جائزة أوسكا
وإلى جانب إسهاماته الفنية، كان "ديزني" رجل صناعة من الطرز الأول، وحصد خلال مسيرته 22 جائزة أوسكار، وهو رقم قياسي لم يستطع أحد تحطيمه حتى الآن، إضافة إلى جوائز فخرية عدّة، اعترافًا بدوره في تطوير فن الرسوم المتحركة والسينما العائلية.
كما تجلى إرثه الضخم في قدرته على توسيع مفهوم الترفيه خارج شاشة السينما؛ ففي خمسينيات القرن العشرين، أطلق مشروع (ديزني لاند) في كاليفورنيا، ليحوّل عالمه الخيالي إلى فضاء ملموس يمكن للناس دخوله والعيش داخله. ولم يكن المنتزه مجرد مدينة ألعاب، بل تجربة سردية متكاملة، صُمّمت بعناية لتعكس فلسفة "ديزني" في النظام، والخيال، والانغماس الكامل في الحكاية.
- لحظات من التعقيد
وشهدت حياة والت ديزني، أيضًا لحظات من التعقيدات، فقد وُجهت إليه انتقادات تتعلق بإدارته الصارمة، ومواقفه النقابية، وبعض التصورات المحافظة التي انعكست على أعماله في سياقها التاريخي، إلا أن هذه الجوانب، مهما أثارت من نقاش، لا تلغي حقيقة أنه كان نتاج عصره، وصانعًا لثورة فنية تجاوزت حدود ذلك العصر نفسه.
لقد كان "ديزني" يؤمن بالابتكار الدائم، وبأن الترفيه لا بد أن يتطوّر تقنيًا وسرديًا، وهو ما دفعه إلى تبنّي أحدث التقنيات في الصوت واللون والتصوير، وإلى الاستثمار المستمر في التدريب والإنتاج.
- رحيل بعد صراع مع المرض
ورحل والت ديزني عام 1966 بعد صراع مع المرض، لكنه ترك وراءه مؤسسة لم تتوقف عن التوسع، وعالمًا من الشخصيات والحكايات التي ما زالت تُروى وتُعاد صياغتها بلغات وثقافات مختلفة إلى الآن، واليوم، بعد عقود من وفاته، لا يزال اسمه حاضرًا بوصفه مرادفًا للخيال الخلّاق، ودليلًا على أن الإيمان بالحلم، حين يقترن بالعمل والانضباط، قادر على تغيير شكل الثقافة الإنسانية.
وفي الختام، فإن سيرة والت ديزني ليست ذكرى نوستالجية فحسب، بل ظاهرة ثقافية وصناعية متكتملة، أثبتت أن الخيال يمكن أن يتخطى حاجز الزمن، وأنه حين يجد من يحميه ويطوّره يصبح قوة لا تقل تأثيرًا عن أي اختراع مادي في تاريخ البشر.