يعد كتاب «تاريخ بني إسرائيل» للمفكر والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان والصادر عن المركز القومي للترجمة، بترجمة داليا محمد الطوخي ورباب حمدي قنديل، ومراجعة داليا محمد الطوخي من الأعمال التاريخية البارزة التي سعت إلى دراسة تاريخ الشعب العبراني دراسة نقدية تجمع بين البحث التاريخي والتحليل الفكري للنصوص الدينية.
ويأتي هذا الكتاب ضمن مشروع رينان الواسع لفهم نشأة الأديان وتطورها في سياقها التاريخي والحضاري.
يعرض المؤلف في هذا العمل المراحل الأولى لنشأة بني إسرائيل في بيئة الشرق الأدنى القديم، متتبعا أصولهم الاجتماعية والثقافية، ومحللا الظروف التاريخية التي تشكلت فيها هويتهم الدينية والقومية.
كما يتناول حياة الآباء الأوائل مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وما ارتبط بهم من روايات دينية وتقاليد تاريخية أسهمت في تشكيل الذاكرة الجماعية لبني إسرائيل.
ويمضي الكتاب بعد ذلك إلى مرحلة الخروج من مصر بقيادة النبي موسى، وهي المرحلة التي يعدها المؤلف نقطة تحول مركزية في تاريخ بني إسرائيل، إذ شهدت تبلور الشريعة وبداية تشكل الهوية الدينية التي ميزت هذا الشعب عبر العصور.
كما يناقش قيام الممالك العبرانية وتطورها السياسي، مسلطا الضوء على عهود ملوك بارزين مثل داود وسليمان، وما شهدته تلك المرحلة من ازدهار سياسي وثقافي.
ولا يكتفي رينان بسرد الأحداث التاريخية، بل يحاول تفسير التحولات الدينية والفكرية التي مر بها المجتمع الإسرائيلي القديم، خاصة دور الأنبياء والحركات الدينية في تشكيل الفكر الديني اليهودي وتطوير مفهوم التوحيد.
كما يتناول فترات الاضطراب والانقسام بين مملكتي إسرائيل ويهوذا، وما أعقبها من أزمات كبرى مثل السبي البابلي وتأثيره العميق في إعادة تشكيل الهوية الدينية والتاريخية لبني إسرائيل.
يمتاز هذا الكتاب بأسلوب يجمع بين السرد التاريخي والتحليل الفلسفي، حيث يسعى المؤلف إلى فهم الظواهر الدينية في إطارها التاريخي والإنساني، معتمدا على المقارنة بين النصوص الدينية والقرائن التاريخية المتاحة.
ولذلك يعد هذا العمل من المؤلفات المهمة في مجال تاريخ الأديان، كما يمثل نموذجا مبكرا للدراسات الحديثة التي حاولت قراءة تاريخ الشعوب والأديان قراءة علمية نقدية.