قال الدكتور حسين حمودة، أستاذ الأدب العربي، إن رواية "رحلة سمعان الخليوي"، للدكتور أحمد جمال الدين، تنطلق من منظومة قيم كبرى ومهمة، في مقدمتها قيمة البساطة، التي تُعد سمة أصيلة في مجمل إبداعات المؤلف. كما أنها تتأسس على الاهتمام بواقع محدد وملموس، مرتبط بزمن بعينه، لكنه في الوقت نفسه شديد التشعب وغني الجوانب.
وأوضح أن الرواية تجيد المزاوجة بين التجربة الفردية المرتبطة بشخصية البطل سمعان— الذي حملت الرواية اسمه— والتركيز على رحلته الشخصية الخاصة، وبين رحلة أخرى موازية لا تقل أهمية، تتسم بتعدد أبعادها وامتدادها عبر عقود متصلة من تاريخنا المعاصر.
وأضاف حمودة، خلال تقديمه للرواية في حفل الإطلاق الذي أقامته دار الشروق، في مبنى قنصلية الإثنين 18 يناير، أن من بين القيم الجوهرية التي تنهض عليها الرواية أيضًا؛ قيمة الإيمان بأن الكتابة الروائية، على وجه الخصوص، ينبغي أن تنطلق من رسالة سامية، وربما تصل إلى حد القداسة، مشيرًا إلى أن الرواية تعتمد في محور بنائي أساسي وراسخ في تاريخ الرواية من أولها إلى آخرها.
وأشار حمودة أنه على عكس ما صور كثيرون من أن الفن الروائي بدأ وريثًا للملحمة في فترة من فترات التاريخ الغربي الحديث، فهناك ميراث روائي ارتبط بالروايات الإغريقية المبكرة، وتمحور حول ثلاثة مجالات أساسية: رواية الحب، ورواية الرحلة، ورواية الحرب". وأن هناك ميراث أقدم حتى في بعض المخطوطات المصرية القديمة، أقصر وأقرب لما يمكن أن نسميه النوفيللا.
وأشار إلى أن هذه الرواية تقوم في بنائها على مرتكز أساسي ومحوري راسخ في تاريخ السرد، هو نمط رواية الرحلة، الذي عُرف بتسميات متعددة لدى ناقد كبير مثل باختين، منها روايات الطريق أو رواية الرحلة. وهو نمط يُقرأ على مستويات متباينة؛ بدءًا من المستوى الحرفي القائم على الانتقال من مكان إلى آخر، مرورًا بالمستوى الزمني الذي لا يقطعه الرحّالة أو الشخصية المركزية فحسب، وصولًا إلى مستويات مجازية متعددة.
وأكد أن هذا الشكل السردي يتسم بمرونة عالية، وأن هذه الرواية تحديدًا تُضيف إليه أبعادًا جديدة ومتنوعة. فالطريق أو الرحلة يمكن فهمهما بوصفهما مسارات مختلفة: طريق الحب، وطريق المعرفة، وطريق العدالة، وطريق الانتقام، وطريق الترقي والصعود.
وأوضح أن هذا المسار الأخير هو الذي تسلكه شخصية سمعان، بوصفه الشخصية المحورية في الرواية، ومن خلاله يتوقف الدكتور أحمد عند جوانب أخرى متعددة تمس الحياة الأسرية، فضلًا عن رصده عددًا من التفاصيل المرتبطة بمسيرة سمعان ورحلته داخل النص الروائي.
وأكد أن صياغة شخصية سمعان، صياغة مراوغة وجميلة ومركبة وبسيطة في الوقت نفسه، وتصاغ من خلال الصوت المباشر للراوي، لكن أيضًا تصاغ بطريقة أكثر ذكاءً وحكمة وتشويقًا من خلال المرايا، المرايا التي تتردد صورة سمعان من خلال رؤى الشخصيات الأخرى.
وتابع: شخصية سمعان غير تقليدية، تجمع بين البطل الإشكالي أو البطل المضاد، وبجانب هذا موسومة بأبعاد أخرى كثيرة، منها القدرة على التكيف، وإدراك الذات وإمكاناتها، والطموح وربما الطمع نحو الصعود الاجتماعي، فمن البداية يرى نفسه متميزًا عن أقرانه، لم يعمل كما عمل أقرانه من أهل قريته في الزراعة، ولم يخش المخاطرة، بعبارة الراوي، فقد تعلم أنه بدونها سيظل متيبسًا في مكانه. وهو مدعوم أيضًا بقدرته على تجاوز الإحساس بالفشل، ويؤمن بأن النجاح يولد من رحم الفشل. تضيف هذه المنظورات المتعددة قيمة أساسية جدًا في هذه الرواية، وهي موصولة بقيمة التعدد، وهي قيمة روائية بامتياز. ومن خلال هذا التعدد في المنظورات نرى صورًا متعددة لشخصية سمعان".
وأوضح: نرى وجه الراوي يتحرك في أغلب مساحات الرواية بموازاة سمعان، ونرى من خلاله أبعادًا في أعماق شخصيته، لكن كذلك رؤى الشخصيات الأخرى له مهمة جدًا، مثل رؤية شخصية الدكتور حامد مبروك، الذي يقول في مناجاة لنفسه إن الدكتوراه والأستاذية لا تساوي ما حصله سمعان من خبرة عملية متراكمة. ومن حكمة أنضجتها الحياة على مهل إلى أخره.
وفي مواضع أخرى تتجسد رؤى متنوعة لشخصية سمعان، وكأنها مرايا متعددة تتقابل، ونرى فيها التصادم بين هذه الصورة أو تلك، مثل الحوار بين اللواء سعيد الجبري والمقدم خليل رافع، حيث نطالع عبارات مثل: «صديقك سمعان هذا ملعون ومبارك في الوقت ذاته»، أو «لسانه حلو معسول»، يجذب الناس إليه الأغنياء والفقراء على حد سواء، هو حالة نحتار في فهمها وتشخيصها، إلا أننا لا يمكن أن نستغني عنها أبدًا".
وقال: شخصية سمعان تتحايل على المتغيرات من حولها، وتشُق لنفسها طريقًا خاصًا، وقادرة على أن تمثل واقعًا معقدًا ومتشارك الجوانب، إلى حد بعيد، ضمن حشد من الشخصيات المقربين والمنافسين والأعداء والمساعدين والمستغلين، ولكن ضمن هذا الحشد هناك ثلاث شخصيات تمثل ملاذات يلوذ بها سمعان وهم: الشيخ الدردير، وهو متدين وأقرب إلى الصوفية، وشخصية حامد مبروك، الصديق الذي يمتلك قدرا كبيرا من الوعي والمستشار نادر المرزوقي الذي يمثل نموذج الاستقامة ويمثل قدوة لسمعان لكنه لا يستطيع أن يكون مثله أبدا.
تأتي هذه الشخصيات وغيرها داخل الرواية لتقدم مشهدًا كبيرًا ومعقدًا للواقع المصري خلال عقود ممتدة، حيث تصبح رحلة سمعان الفردية انعكاسًا لحال مجتمعه.