بعد تكريم «القاهرة السينمائي» لها.. تعرف على الحكايات المؤسسة للسينما المكسيكية - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 10:10 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

بعد تكريم «القاهرة السينمائي» لها.. تعرف على الحكايات المؤسسة للسينما المكسيكية

محمد طارق
نشر فى : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 10:47 م | آخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 10:47 م

ينشر بالاتفاق مع مجلة الفيلم

 

يكرم مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام المخرج المكسيكي صاحب الأعمال شعرية الطابع كارلوس ريجاديس بل ويحتفي بدولة المكسيك كونها ضيف شرف الدورة من خلال برنامج ممتد عبر تاريخ السينما المكسيكية مكون من 8 أفلام، أربعة منها لصناع أفلام مكسيكيين يحلون ضيوفًا على المهرجان هم: السيناريست والمخرج جوليرمو أرياجا والمخرجين كارلوس ريجاديس وميشيل فرانكو وجابريل ريبستاين. الأربعة أفلام الأخرى تأتي من المكسيك أيضًا لكنها من اختيار الضيوف ذاتهم، وتشمل قائمة أفلام البرنامج: "الثلاث دفنات" لتومي لي جونز والسيناريو لجوليرمو أرياجا، و"ضوء صامت" لكارلوس ريجاديس و"مُزمن" لميشيل فرانكو و"600 ميل" لجابريل ريبستاين". اختار أرياجا فيلم "ريح سوداء" لسيرفاندو جونزاليس واختار ريجاديس فيلمًا تجريبيًا نادرًا هو "التركيبة السرية" لروبن جاميز، بينما اختار فرانكو فيلم "هو" للويس بونويل ووقع اختيار جابريل ريبستاين لفيلم من إخراج والده المكسيكي الشهير أرتورو ريبستاين هو فيلم "عقوبة مدى الحياة".

بهذه المناسبة، فكرت مجلة الفيلم في معرض تخصيصها هذا العدد عن مهرجان القاهرة السينمائي، الذي تُقام دورته الـ41 هذه الأيام، في أن تنتهز هذه الفرصة للحديث عن تاريخ السينما المكسيكية الحافل والمليء بفترات الازدهار والانتكاسات، فهي سينما تعثرت أكثر من مرة لكنها كانت تنهض كل مرة أقوى مما كانت عليه.

وفي السطور المُقبلة فضلنا أيضًا أن نسرد تاريخ تلك السينما من خلال بعض القصص المميزة من تاريخ السينما المكسيكية ذاتها.

من منح ابن الع*هرة الـ"جرين كارد"؟

في ليلة جوائز الأوسكار وبينما يُعلن الممثل شون بين جائزة أفضل فيلم، فتح المظروف الذي بيده ثم اندهش وقال "من منح ابن العاهرة هذا الجرين كارد (حق الإقامة في الولايات المتحدة)، بيرد مان". كان هذا العام 2015 الذي حصل فيه أليخاندرو جونزاليز إيناريتو على جائزة الأوسكار عن فيلمه "الرجل الطائر" أو "بيرد مان"، ولم يتخذ إيناريتو أي موقف عدائي تجاه بين، بل على العكس رد الكلمة قائلًا "وللسنة الثانية" قاصدًا مواطنه الآخر ألفونسو كوارون الذي فاز بها عام 2014 عن فيلمه "جاذبية". والمصادفة تأتي أنه في العام 2016 حصد إيناريتو الجائزة للمرة الثانية عن فيلمه "العائد - زا ريفنانت"، لتحتل السينما المكسيكية لثلاث أعوام قائمة أفضل فيلم في جوائز الأوسكار! إنجاز كبير سيستمر في عام 2017 حين يحصد فيلم جوليرمو ديل تورو 4 جوائز أوسكار منها أفضل فيلم، ثم يأتي كوارون مجددًا في عام 2018 ليحصد أسد فينيسيا الذهبي وثلاثة جوائز أوسكار.

5 سنين متتالية سيطر فيها مخرجون مكسيكيون على جوائز الأوسكار في سابقة مذهلة، إضافة إلى جوائز، مواطنهم الرابع مدير التصوير إيمانويل لوبيزكي عن إنجازاته في مجال التصوير، ولكن من أين تبدأ هذه الحكاية؟

بدأ كوارون وإيناريتو برفقة جوليرمو ديل تورو (المعروفين بـ"الأصدقاء الثلاثة") مسيرتهم السينمائية في أواخر تسعينات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة، منقلبين على تراث السينما المكسيكية إلى حد كبير، ليقدموا أفلامًا عُرفت في ما بعد بـ"السينما المكسيكية الجديدة". تلك السينما التي اعتمدت على إنتاج خاص في معظمه بعيدًا عن بيروقراطية الأنظمة الجديدة، وتخلصت من المواضيع التي كانت تمنحها الدولة اهتمامًا للظهور في الأفلام واستخدمت العديد من الممثلين الشباب، ومنهم جايل جارسيا برنال الذي أصبح نجمًا مكسيكيًا بارزًا في ما بعد، من أجل الوصول إلى الجماهير المكسيكية التي كان أغلبها من الشباب آنذاك، متجاهلة كل الالتزامات الاجتماعية التي كان مخرجي المكسيك يضمنونها في أفلامهم غير ملتفتين للجمهور.

على الرغم من ذلك فإننا نجد فيلم مثل "وأمك أيضًا" لألفونسو كوارون، وهو الفيلم الذي قرر صناعته بعد عدة أفلام صنعها في هولييود، يشتبك مع تراث أفلام "السيكسوكوميديا" أو أفلام الجنس الكوميدية الاستهلاكية الرديئة (وهي تشبه إلى حد كبير أفلام المقاولات المصرية من حيث أسلوب الإنتاج ومستوى جودتها)، ويصور على هامش لقطات كوميديا الجنس جانبًا مظلمًا من تاريخ المكسيك، فنستطيع أن نلاحظ التفرقة العنصرية ما بين المواطنين الأصليين بملامحهم المرهقة والمواطنين البيض الذين يتمتعون بقدر أكبر من المال، ونستطيع أن نلاحظ عنف الشرطة والجيش أيضًا تجاه هؤلاء المهمشين في مساحة ضيقة من كادرات الفيلم على هامش الأحداث "المُضحكة"!

هذه المساحة من الموتيفات البصرية عاد كوارون لينجزها مجددًا في فيلمه "روما" (2018) ليوضح الفارق بين الـ"جوروس" (الشُقر أو أصحاب البشرة الفاتحة) والـ"بريتوز" (داكني البشرة) في عمل ملحمي مصور على شريط 70 مللي (ومن إنتاج نيتفليكس!) يبرز تلك الطبقية الموجودة في فيلمه المكسيكي الأول بشكل أكثر وضوحًا، رغم أنه لا يزال يلقي بالأحداث السياسية الهامة في هوامش فيلمه (زمن عرض قصير) في مقابل تركيزه على شخصية الخادمة المشتتة ما بين حبيبها الثوري الذي يتركها وما بين سيدتها الصارمة. ولكن ما هي حكاية السينما المكسيكية منذ القدم؟

العصر الذهبي للسينما المكسيكية

عرفت المكسيك السينما منذ بدايات القرن التاسع عشر على أيدي الأخوين لوميير الذين عرضوا أفلامهم في المكسيك وغيرها من الدول، وصوروا العديد من الأفلام ذات المواضيع المتشابهة من تصوير للتقاليد الكلاسيكية والمراسم الملكية أو الحكومية ومن ثم عرضها في أماكن أخرى في العالم، وفي بدايات القرن العشرين عرف المخرجون المكسيكيون طريقهم لصناعة السينما، لكن سرعان ما قامت "الثورة" عام 1910 وتلتها الحرب العالمية الأولى. تلك الأحداث جعلت المكسيك لم تعرف عهدًا حقيقيًا بالسينما حتى ثلاثينات القرن الماضي أو ما عُرف بالعصر الذهبي للسينما المكسيكية.

شهدت سنوات إنتاج السينما المكسيكية في العصر الذهبي لما يزيد عن أكثر من 100 فيلم في العام الواحد، خاصة مع "المعجزة المكسيكية" (تمكنت المكسيك من النجاة من الحرب العالمية الثانية وآثارها، بل وعززت اقتصادها في ذلك الوقت بشكل مذهل) التي كانت السينما جزءًا كبيرًا منها، والذي جعلها سوقًا مصدرة للأفلام في وقت تراجع فيه معدل الإنتاج بسبب الحرب.

يمكننا أن نجد العديد من المواضيع المتشابهة (الثيمات) الموجودة في سينما هذه الفترة، فقد بدأت بسينما "قوطية" كئيبة أو سينما تتناول الثورة مثل الثلاثية الشهيرة لفيرناندو دي فوينتيس حول الثورة (السجين رقم 13 - العراب ميندوزا - لنذهب مع بانشو فيلا) وخاصة ذلك الفيلم الأخير الذي تكلف أموالًا طائلة لصناعته وأفلست شركة إنتاجه ويتناول عددًا من الشباب المثالي الذي يذهب للحرب مع بانشو فيلا ومصيرهم المأساوي معه، بينما لا يكترث هو لأمرهم، وبشكل ما عبرت أفلام دي فوينتيس عن خيبة أمل وظروف اجتماعية قاسية من فقر وبطالة عانت منها المكسيك في العشرينات والثلاثينات.

مخرج آخر عرفته السينما المكسيكية في هذه الفترة هو خوان بوستيلو أورو الذي شارك في صناعة فيلم "العراب ميندوزا" ثم صنع فيلمه "راهبان" والذي يعتبر واحدًا من الأفلام المؤسسة لهذه الفترة السينمائية. لكن ورغم أهميته التاريخية والفنية وقربه الأسلوبي من التعبيرية الألمانية، فشل الفيلم في شباك التذاكر! ذهب بعدها أورو إلى منتج ليعرض عليه سيناريو فيلم "راهبة وزوجة، عذراء وشهيدة" والذي اقتنع به منتج الفيلم لأنه رأي فيه إمكانية للتسويق والنجاح التجاري، قائلًا لأورو "انس أمر الفن! ألم تكتف بـ راهبان؟!". اقتنع أورو برأيه وغير نهاية الفيلم الحزينة بأخرى سعيدة، ونجح الفيلم تجاريًا بالفعل. عاد بعدها أورو ليجرب حظه مع الأفلام الفنية بفيلم "لغز الوجه الشاحب" الذي فشل، ولم يحاول أورو بعدها أن ينتج فيلمًا غير جماهيري طوال مسيرته الإخراجية التي أخرج فيها نحو 60 فيلمًا.

بونويل المكسيكي

كانت مقولة هذا المنتج حقيقية نوع ما لصناعة السينما في العصر الذهبي، فلا مصدر لتمويل الأفلام إلا نجاحها في شباك التذاكر، وحتى لويس بونويل السوريالي الذي لجأ إلى المكسيك لظروف الحرب العالمية الثانية ووجود فرانكو في السلطة ومشاريع لم تكتمل في هولييود، اضطر في النهاية إلى العمل في أعمال لم ترق لها جميعها من أجل كسب عيشه. يقول بونويل في مُذكراته :

"حققت في المكسيك عشرين فيلمًا وإذا استثنيت "روبنسون كروزو" و"الشابة" فجميعها كان ناطقًا بالإسبانية وجرى تحقيقها بممثلين وتقنيين مكسيكيين. كانت فترة التصوير تتراوح بين 18 و24 يومًا… كانت الإمكانيات محدودة والأجور متواضعة … وربما كانت الحاجة التي دفعتني لكي أعيش من عملي هذا توضح سبب تقديم هذه الأفلام بصورة متفاوتة.. لقد كان علي أحيانًا أن أوافق على مواضيع لم أقم أنا باختيارها وأن أعمل مع ممثلين غير محترفين، ومع ذلك فإن ما أردده دائمًا أنني لم أصور على الإطلاق أي مشهد مخالف لقناعاتي وأخلاقي الشخصية".

وإذا نظرنا إلى أعمال بونويل المكسيكية نجدها متنوعة بالفعل. فهناك "المنسيون" الذي يعد مقاربة لسينما الواقعية الإيطالية الجديدة من تصوير للأطفال الفقراء والمهمشين ولقي بونويل عنه هجومًا شديدًا ووُصف بأنه يسيء إلى صورة المكسيك ويشوه هويتها. وهناك الفيلم المُغرق في ميلودراميته ككل أفلام الثلاثينات "الكازينو الكبير" وهناك أيضًا على سبيل المثال "هو" الذي يراه بونويل ذاته واحدًا من أفلامه المفضلة، والذي يعد بورتريه دقيق لحالة البارانويا والخوف السيكولوجي من النساء.

موعد نهائي لم يستطع إيزنشتاين اللحاق به!

محطة أخرى يجب التوقف عندها هي زيارة المخرج سيرجي إيزنشتاين للمكسيك بعد فشل تعاقده مع شارلي شابلن في الولايات المتحدة الأمريكية. قام إيزنشتاين بالتعاقد على فيلم عن المكسيك وتم إملاء بعض الشروط الخاصة بهذا الفيلم عليه هو ومساعديه قبل أن يدخل المكسيك وهي أن يصنع فيلم غير سياسي وأن لا يهاجم "الثورة" أو أي من مبادئها وأن يُسلم الفيلم قبل أبريل 1931.

كان إيزنشتاين قد وصل إلى المكسيك في ديسمبر 1930، وهو متطلع إلى رؤيتها، خاصة مع انبهاره بفكرة أنهم قد قاموا بثورة اجتماعية عام 1910، وبعد مقابلته للفنان دييجو ريفيرا في الاتحاد السوفيتي الذي حكى له عن الثقافة والطبيعة المكسيكية. لكن إيزنشتاين لم يمتلك أي رؤية وقت وصوله، وبدأ التصوير وتبلورت رؤيته مع الوقت وأصبح أكثر طموحًا غير مراع لميزانية الفيلم أو الاتفاق الذي عقده، الأمر الذي انتهى بتصويره حوالي 50 ساعة فيلمية دون إنهاء الفيلم. توقف الإنتاج وعاد إيزنشتاين إلى الاتحاد السوفيتي مقابل وعد أن يستكمل الفيلم هناك، وهو أمر لم يحدث أبدًا. تم إعادة مونتاج المادة المصورة وإنتاج الفيلم لأول مرة في عام 1979 على يد جريجوري أليكساندروف!

إيمليو فرنانديز يعيد اختراع "المكسيك"

انتقالًا إلى الأربعينات والخمسينات، فقد ظهر نوعين فيلمين آخرين في السينما المكسيكية هما فيلم "النوار" أو "الفيلم الأسود" واشتهرت فيه السينما المكسيكية بأعمال لمخرجين مثل روبرتو جلفادون وخوليو براخو وأليخاندرو جاليندو. كما شهد هذا العقد ظهور نظام النجوم، فاشتهر فيه أسماء مثل بيدرو أرمانديز وأرتورو دي كوردوفا ودولوريس دي ريو والممثلة الشهيرة ماريا فليكس. أتت هذه السمات نتيجة لتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في صناعة الأفلام المكسيكية وإنشاء "بنك السينما" الذي خصص لدعم هذا النوع من الأفلام، في محاولة الولايات المتحدة إتخاذ المكسيك كحليف ثمين في الحرب. كما أدى صدور قانون "حماية الصناعات السينمائية من ضريبة الدخل" إلى زيادة أرباح الصناعة السينمائية بوجه عام. وفي هذه الفترة انتعش الاقتصاد المكسيكي كما ذكرنا سابقًا، وأدى هذا الازدهار إلى ازدهار صناعي وتمدين زائد وظهور طبقة متوسطة ثرية. كان لهذا التمدين الواسع آثاره حيث امتدت على جوانب المدينة العديد من الأحياء الفقيرة والتي كانت موطنًا بشكل ما للمجرمين، الأمر الذي عزز من وجود الفيلم "نوار" في هذا العقد.

"هناك مكسيك واحدة … المكسيك التي اخترعتها"، هكذا يقول المخرج إيمليو فيرنانديز الذي حققت أعماله نجاحًا جماهيريًا وشهرة عالمية حيث شاركت أعماله في مهرجانات سينمائية مثل كان وبرلين وفينيسيا وكارلوفي فاري، وحقق في كان الجائزة الكبرى عن فيلمه "ماريا كانداليرا" والجائزة الدولية في فينيسيا عن فيلمه "اللؤلؤة". اشتهرت أعماله بـ"مكسيكيتها" في مقابل أعمال "النوار" المتأثرة بهولييود، ولقطاتها المقربة للوجوه المكسيكية الأصيلة. يمكننا أيضًا القول أن سبب نجاحه العالمي هو نوع من أنه اخترع المكسيك بالنسبة للعالم، وصورها بشكل جديد يركز على هوية البلد العريق، الأمر الذي جعل أفلامه نوع من المرجع للجمهور غير المكسيكي للمعرفة عن تقاليد وتراث البلد من خلاله.

لن نذهب لنشاهد فيلمًا مكسيكيًا!

في الخمسينات، ظهر الوسيط الجديد متمثلًا في التلفزيون مؤسسًا لنهايات العصر الذهبي للسينما المكسيكية. فعلى جانب لم تستطع المكسيك مجاراة جارتها في إنتاج أفلام ذات تقنية أفضل أو ملونة نظرًا لتكاليف الإنتاج وكان العالم قد بدأ في التخلص من آثار الحرب، وظهرت العديد من الموجات السينمائية الأوروبية والآسيوية. في الـ15 من أبريل عام 1957 توفي بيدرو إنفانتي، وكانت وفاته علامة على نهاية ذلك العصر. في نهاية الخمسينات أيضًا توقفت جوائز الأريال وهي جوائز المكسيك الوطنية للسينما التي أنشئت في عام 1946، وأصبح مجال دخول مخرجين جدد شبه مستحيل مع القوانين المتعنتة لنقابة العاملين بالإنتاج السينمائي.

أما عن التسينات يقول الناقد ليوناردو جارثيا تساو:  

كان هناك فيلم واحد مكسيكي جيد أو فيلمان في الستينات، ولكن باستثناء بونويل، كان المشهد السينمائي فقيرًا تمامًا في المكسيك. لذلك نما واستمر لدى أناس ذلك الجيل تحامل ضد الأفلام المكسيكية. كانت تلك مسألة طبقية. لقد اعتبرت الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة أن الأفلام المكسيكية لم تكن تلائم وضعها الاجتماعي: كانوا يعتبرون أن الطبقات الأدنى هي التي تذهب لتشاهد مثل تلك الأفلام. أتذكر أن أبي، حين كنت طفلًا كان يقول بتصميم: "مستحيل! لن نذهب لنشاهد فيلماً مكسيكيًا!"

في السبعينات والثمانينات شهدت المكسيك ظهور نوع رديء من الأفلام أشرنا إليه في معرض الحديث عن فيلم "وأمك أيضًا" لكوارون وهو أفلام الجنس الكوميدية أو أفلام "الفيثيراس" أو "السيكسو-كوميديا" وهي أفلام "إيروتيكية" مستوحاة على الأغلب من مثيلتها الإيطالية. كانت معظم هذه الأفلام رديئة الجودة ذات ميزانية ضئيلة، ورغم ذلك فقد حققت نجاحًا جماهيريًا في الأوساط الشعبية وهو الأمر الذي يؤكد كلام تساو عن دخول الطبقات الأدنى للأفلام المكسيكية بينما فضلت الطبقات الأعلى دخول أفلام هولييود المتقدمة بالطبع.

نهضة سينمائية ثانية

من الاستثناءات التي وجدت في هذه الفترة هي أعمال أرتورو ريبستاين الذي بدأ مسيرته مساعدًا لبونويل ثم أخرج فيلمه الأول "وقت للموت" واشتهر في مصر بعد إخراجه عمل مقتبس عن رواية نجيب محفوظ بنفس عنوانها وهي رواية "بداية ونهاية"، كما اقتبس رواية جابريل جارسيا ماركيز "ليس للكولونيل من يخاطبه" وأخرج أفلامًا أخرى مثل "قرمزي عميق" و"جحيم بلا حدود" و"عقوبة مدى الحياة" و"الشيطان بين الأرجل"، ويعد من أكبر المخرجين في السينما المكسيكية الذين لا يزالون مستمرين في الإنتاج. حيث عُرض فيلمه "الشيطان بين الأرجل" عالميًا لأول مرة في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي عام 2019.

استمر هذا الوضع حتى ظهور بشارات التغيير مع ظهور فيلم "مثل الماء للشيكولاتة" لألفونسو أراو، والذي حقق نجاحًا عالميًا باهرًا حتى وإن اعتبره بعض النقاد المكسيكيين أنه فيلم يمنح نظرة سطحية غير حقيقية للمكسيك. ثم أتت السينما المكسيكية الجديدة بأصدقائها الثلاثة وبأسماء سينمائية لامعة مثل السيناريست جوليرمو أرياجا الذي كتب مع إيناريتو "غراميات بائسة" و"21 جرام" و"بابل"، ثم اتجه للعمل مع الممثل والمخرج الأمريكي تومي لي جونز في فيلم "الدفنات الثلاث" والذي حاز عنه جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي. من الأسماء اللامعة أيضًا هناك كارلوس ريجاديس الذي اشتهر بعالمه الخاص الكوني بشكل ما، والذي يصنع أفلامًا قد تحدث في أي مكان وتمتلك طابعًا شعريًا تجريبيًا إلى حد كبير وحاز جائزة لجنة التحكيم عن فيلمه "ضوء صامت" في مهرجان كان السينمائي.

لاحقًا ظهر ميشيل فرانكو وأمات إسكلانتي وجابريل ريبستاين وألونزو رويز بالاسيوز الذين حققوا الكثير من الجوائز المرموقة في المهرجانات السينمائية العالمية، وحازوا اهتمامًا نقديًا واسعًا. لكن ورغم ذلك، لا يذهب العديد من الجماهير المكسيكية في الأيام الحالية إلى أفلام هؤلاء، خاصة ومع التوزيع الأمريكي الذي يسيطر على 80 % من قاعات العرض السينمائي، رغم ارتفاع عدد الأفلام المكسيكية المنتجة في العام ليصل 172 فيلمًا في عام 2017 ما يعد طفرة في معدل الإنتاج نسبة إلى وقت ظهور السينما المكسيكية الجديدة.

معضلة أخرى تواجه هذه السينما هي جذب هولييود لموهوبي المكسيك للعمل بها، الأمر الذي يراه بعض النقاد "بيع" للوطن، ويراه بعض المخرجين كلجوء إلى بيئة إنتاجية وفنية أفضل تتيح لهم تنفيذ ما يدور في ذهنهم، إضافة إلى قضية هوية الأفلام المكسيكية أصلًا والتي يرى البعض أنها تُصنع بقالب عالمي وليس محلي معبر عن المكسيك. كل هذه الأسئلة ستبقى محل جدال بلا أي أجوبة شافية لكن الأمر المؤكد هو أننا أمام سينما ثرية للغاية مليئة بالتناقضات والسياقات السياسية المختلفة المؤثرة على إنتاجها السينمائي والتي نتمنى أن تتخذ السينما المصرية من حكاياتها الإلهام للنهوض مجددًا.

المصادر:
https://www.bfi.org.uk/news-opinion/sight-sound-magazine/features/deep-focus/deep-focus-golden-age-mexican-cinema

http://sensesofcinema.com/2018/latin-american-cinema-today/the-dream-of-a-mexican-film-industry/

https://www.theguardian.com/film/2002/jul/19/artsfeatures

https://www.theguardian.com/film/2001/may/18/culture.features2

https://www.salon.com/2015/02/23/who_gave_this_son_of_a_btch_his_green_card_on_the_oscars_stage_theres_no_such_thing_as_a_joke_between_friends/

The Classical Mexican Cinema - Charles Ramriez Berg

السينما المكسيكية - جايسون وود - ت: توفيق الأسدي

The Oxford History of World Cinema - Edited by GEOFFREY NOWELL-SMITH



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك