إبراهيم عبدالمجيد يكتب عن سعديون أم عدليون؟ درس الثورات - بوابة الشروق
الجمعة 29 مايو 2020 6:38 م القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

إبراهيم عبدالمجيد يكتب عن سعديون أم عدليون؟ درس الثورات

إبراهيم عبدالمجيد
إبراهيم عبدالمجيد

نشر فى : الجمعة 22 مايو 2020 - 8:22 م | آخر تحديث : الجمعة 22 مايو 2020 - 8:22 م

هذا كتاب مهم عن تطور الصراع الذى نشب بين عدلى يكن السياسى المحنك وبين سعد زغلول زعيم الأمة بعد ثورة 1919. الكتاب من تأليف عمرو سميح طلعت ونشر دار الشروق، كأى كتاب علمى رصين لا يدعى الانفراد بالرأى، لكن يقوم بتحليل كل ما توفر للبحث من كتب أو صحف أو مذكرات لمناصرى سعد أو خصومه ومن كتبوا فى ذلك فيما بعد من الباحثين والمؤرخين بهدوء ومناقشة للأمر من كل جوانبه.

الكتاب ضخم، ستمائة صفحة من القطع الكبير، وهو لا يدخل فى الأمر مباشرة بل يتقصى فى البداية تاريخ حياة سعد زغلول وعدلى يكن منذ النشأة، وكيف جمعت بينهما المحافل السياسية والحياة الاجتماعية حتى يدخل فى صميم الخلاف بعدما اتضحت لك خلفية كل من الاثنين الاجتماعية فيبدو الأمر كأنك ترى كل منهما أمامك. المؤلف يتمتع بلغة أدبية جميلة رغم تحليله السياسى فهو يجمل حديثه عن الصداقة التى جمعت بين الرجلين بأنها صداقة تنطوى على ود مع بعض من غيرة، على مواءمة وبعض من مواجهة، على اتحاد وبعض من منافسة، صداقة وصلت بطرفيها إلى السلطة فصرعتها السلطة وانشطرت الأمة. يتكرر تعبير وانشطرت الأمة بعد أكثر الفصول ليشير إليك بما قد يكون خفيا مما طرحه من حادثة أو موقف وتشعر أن هذا الانشطار وراءه ما تقدم وإن شيئا فشيئا، فلم يكن عدلى ولا سعد بعيدا عن النضال من أجل تحقيق الاستقلال ورفع الحماية على مصر. هذه النقطة بالذات تجدها فى كل تحليل لمواقف كل منهما ورغم ذلك انشطرت الأمة.

تبدأ دراما الكتاب بعد استعراض حياة كل من الرجلين بإعلان الرئيس الأمريكى وودرو ويلسن مبادئ السلام بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى التى أكد فيها على حق تقرير المصير للشعوب فبدأت فى مصر حركة التوقيعات الرهيبة بين الشعب لاختيار وفد يمثل الأمة وتم ذلك فى 13 نوفمبر 1918 وكانت حسين باشا رشدى رئيسا للحكومة وعدلى يكن وزيرا للمعارف العمومية وكانا من مؤيدى الوفد بقوة والتنسيق معه للمطالبة بسفر الوفد إلى باريس حيث سينعقد مؤتمر الصلح بعد الحرب لعرض القضية فرفضت انجلترا سفر الوفد فتقدم كل من حسين باشا رشدى وعدلى يكن باستقالتهما احتجاجا على هذا الرفض، وفى 8 مارس يتم القبض على سعد زغلول وحمد الباسل وإسماعيل صدقى أعضاء الوفد المختار من الشعب ويتم نفيهم فانفجرت الثورة فى التاسع من مارس. فى الثامن من إبريل أُفرج عن سعد ورفاقه وسمح لهم بالسفر إلى باريس لعرض مطالب مصر فى مؤتمر الصلح العالمى الذى سيقام فى قصر فرساى وزاد عدد الوفد.

وهنا بدأت لعبة الانجليز. ماطلت بريطانيا فى منح مصر الاستقلال بل واستطاعت أن تأخذ موافقة الدول الأخرى بما فيها أمريكا صاحبة وعد ويلسون الشهير على عدم استقلال مصر مما أصاب الوفد بالاحباط لكنهم استمروا فى فرنسا ولم يعودوا. أوفدت بريطانيا اللورد الفريد ملنر وزير المستعمرات فى مايو 1919 فيما عُرف بلجنة ملنر لتحقيق أسباب الاضطرابات التى حدثت فى القطر المصرى كأنها لا تعرف. لم يجد ملنر أحدا يتفاوض معه فالشعب لا يرى ممثلا له إلا الوفد المصرى برئاسة سعد زغلول مما اضطر ملنر إلى العودة إلى انجلترا. بدأت مرحلة جديدة من المفاوضات فى لندن كان فيها عدلى الوسيلة الأولى فى التفاوض فلقد سافر إليهم وكان سعد زغلول مشجعا لذلك حتى فشلت المفاوضات وطال الوقت وتغيير ملنر وفشلت المفاوضات أيضا لأن بريطانيا كانت تلقى بشىء وتخفى شيئا ومبدأها فكرة «ضبط التنازلات» التى قام المؤلف بشرحها. أى الموافقة على شىء لا قيمة له وتجاهل الشىء الأهم فى الاستقلال التام. المهم أنه زمن استمر وبالطبع كان لابد أن يحدث انقسام بين أعضاء الوفد نفسه. بعضهم لطريقة تعامل وحدِّة سعد فى النقاش وبعضهم لحاجته المالية ووراء ذلك طبعا سياسة انجلترا فى التطويل وضبط التنازلات. لقد قرأنا كثيرا كيف أن الانقسام كان على رأسه عدلى يكن الذى لم يكن مع الوفد من البداية بل سافر اليهم بموافقة منهم وترحيب ومن ثم هذا لم يحدث. لقد استمر للنهاية. كان عدلى يكن لا ييأس من المفاوضة بينما سعد زغلول لا يرى أملا بسرعة ولعل طول بال عدلى يكن هو ما أثار الشك فى نواياه لكن فى النهاية وقبل أن يصدر تصريح 28 فبراير 1922 يعود عدلى يكن يائسا من المفاوضات ويقدم استقالته الثانية من الوزراة التى كان هذه المرة رئيسها والتى أسماها سعد زغلول فى البداية وزارة الثقة، ويعود سعد زغلول الذى لم ترَ بريطانيا حلا معه إلا نفيه مرة أخرى. أى أن الاثنين دفعا ثمن تصريح 28 فبراير أحدهما بإرادته وهو عدلى يكن والآخر مرغما وهو سعد زغلول. فى الأشهر الأخيرة قبل هذا التصريح كان سعد زغلول الذى يخفى هواجسه قد ضاق صدره وراح يعلنها ويتهم عدلى يكن بأنه غير حريص.

على أهداف الأمة بينما عدلى يكن عاد رافضا تقاعس بريطانيا وقدم استقالته. الجهد العلمى الذى قام به عمرو سميح طلعت جهد فائق الروعة والصبر وليس غريبا عليه هو صاحب موسوعة باشوات مصر والكاتب الذى ينشر أحيانا على موقع «راوى» مقالات رائعة لتاريخ مصر ولديه مقتنيات نادرة ووثائق تاريخية ورثها عن جده عبدالوهاب باشا طلعت رئيس الديوان الملكى فى عهد الملك فاروق لابد كان هذا من أثرها.

عمرو سميح طلعت يشغل الآن منصب وزير الاتصالات فى مصر وهذا أمر عجيب كيف لرجل بارع فى علوم الاتصالات حاصل فيها على شهادات كبرى أن يكون على هذه البراعة والصبر فى البحوث التاريخية. الدرس العظيم من هذا الكتاب الذى يحتاج أكثر من مقال لعرضه هو كيف انشطرت الأمة واستفاد الاعداء فتصريح 28 فبراير رغم أهميته إلا أنه ليس كل ما كان يريده الشعب. هذا درس الثورات دائما للأسف فحين لا يتفق الثوار معا يستفيد من قامت ضدهم الثورات. فى الكتاب أيضا نوستالجيا وإن كانت ليست الموضوع لكنها مؤثرة حين يذكر القصور الخاصة ببعض الباشوات مثل هدى شعراوى أو عدلى يكن وكيف ضاعت من أجل ابنية حديثة لا معنى معمارى لها كذلك الفنادق التى كانو يتقابلون فيها فى مصرومنها كلاريدج فى الاسكندرية والكوننتنال وشبرد وغيرها مما ضاع. الكتاب رغم الجهد العلمى العظيم لا يخلو من حنين إلى زمن. يفسر لك مثلا كيف تأخر عدلى يكن عن العودة إلى مصر بعد فشل المفاوضات وقيل إما كان مريضا أو كان يخشى العودة من هجوم الناس أو كان يشترى أشياء من أوروبا فيقول عن الأخيرة إنها غير معقولة لأن كل ما فى أوروبا من أشياء كان فى مصر. ولقد كان هذا حقيقيا. متابعة الكتاب لخروج الناس فى وداع سعد إلى المنفى وفى عودته من أوروبا شىء يفوق الخيال حيث كانت الناس بالآلاف المؤلفة تقف فى الشوارع وتستأجر البلكونات والبيوت والمقاعد وبلغ إيجار البيت عشرين جنيها والبلكونة ثمانية جنيهات والمقعد واحد جنيه وقتها. من الكتاب تشعر أن عدلى يكن ظلم كثيرا وهذا طبيعى ففى الثورات لا يكون التفاوض بالعقل الرشيد. كان سعد قويا والشعب كله فى ظهره وكانت قيمة عدلى فى أمله بالعودة منتصرا ولم يعد منتصرا للأسف. إنه كتاب جدير بالقراءة لأنه يوضح كثيرا مما خفى فى هذه العلاقة التى كانت حميمة وانشطرت ويحافظ فيه الكاتب ليس بنية مسبقة، بل بدراسات عميقة لكل ما صدر فى زمانها وبعدها بقيمة عدلى يكن وياله من جهد فائق عظيم.

ــ الكتاب متاح للشراء فى فروع مكتبات الشروق وعبر موقعها الإليكترونى.
==

لينك شراء الكتاب



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك