لا ترتبط القراءة بتعلم الحروف والكلمات فالدراسات التربوية تؤكد أن علاقتها بالطفل تبدأ في وقت أبكر بكثير ومنذ الشهور الأولى من عمره، حيث تعتبر وسيلة أساسية لدعم نمو الطفل اللغوي والعقلي والعاطفي وبناء رابط مبكر بينه وبين الكتاب.
وفي السطور التالية توضح الطبيبة النفسية ومعالجة أمراض التخاطب، الدكتورة إيمان السيد، متى نبدأ القراءة للرضيع؟ وما الفوائد التي يمكن أن يحققها هذا النشاط البسيط في السنوات الأولى من عمر الطفل؟
ما هي فوائد القراءة الجهرية للرضع؟
أوضحت دكتورة إيمان السيد، أن القراءة للرضع منذ اليوم الأول للولادة تعد استثمارا مبكرا في نموهم النفسي واللغوي حتى وإن لم يكن الطفل واعيا بالكلمات، فالغرض من القراءة في هذه المرحلة لا يتمثل في تعليم الطفل القراءة وإنما في تعريضه للغة في صورتها الطبيعية من خلال الصوت والإيقاع والنغمة، حيث تشير توصيات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أهمية البدء بالقراءة في وقت مبكر قدر الإمكان، لما لذلك من أثر إيجابي يمتد على المدى الطويل، بالإضافة إلى أنه على المستوى العاطفي تعد لحظات القراءة وقتا مشتركا بين الأم وطفلها، وهو ما يساهم في تعزيز الارتباط العاطفي بينهما وتحسين الحالة النفسية للأم نفسها، أما على الصعيد اللغوي فأن مرحلة الرضاعة تعد من أكثر الفترات التي يتمتع فيها الدماغ بمرونة عصبية عالية، حيث يكون الطفل مهيأ لاستقبال جميع أصوات اللغات وتمييز نغماتها المختلفة ومع التعرض المستمر للغة سيبدأ الدماغ في تكوين وصلات عصبية مرتبطة بالأصوات التي يسمعها بكثافة بينما تتراجع الأصوات التي لا يتعرض لها، وهو ما يفسر قدرة الأطفال في البيئات متعددة اللغات على اكتساب أكثر من لغة في الوقت نفسه، وتسهم القراءة كذلك في توسيع المخزون اللغوي للطفل إذ تقدم له كلمات وتراكيب قد لا ترد في التفاعل اليومي المعتاد.
متى يجب أن تكون البداية؟
وتشير دكتورة إيمان إلى أنه كلما بدأنا القراءة في وقت مبكر كان ذلك أفضل لأن دماغ الطفل منذ لحظة الولادة يكون مهيأة لتكوين وصلاته العصبية وفق الخبرات التي يتعرض لها، ومع ذلك لا ينبغي أن يتحول الأمر إلى سباق أو معركة تقاس بالإنجازات السريعة، ولا يجب أن تتحول إلى مصدر ضغط على الأمهات خاصة في الأيام والأسابيع الأولى بعد الولادة، حيث تكون الأم في مرحلة محاولة التعافي جسديا ونفسيا.
الكتب المناسبة لتلك الفئة العمرية
وبخصوص نوعية الكتب المناسبة لتلك الفئة العمرية فأوضحت دكتورة إيمان أن الكتب المناسبة للأطفال تختلف باختلاف مراحلهم التطورية سواء من حيث المحتوى أو خامة الكتاب وطريقة التفاعل معه، ففي الشهور الأولى تكون رؤية الطفل محدودة ويعتمد إدراكه البصري أساسا على التباين بين النور والظلام، لذلك تناسبه الكتب الأبيض والأسود ثم إضافة الأحمر لاحقا، وفي هذه المرحلة يكتسب الطفل نغمة اللغة وإيقاعها لذا من المهم التحدث إليه بلغة سليمة دون تشويه أو استخدام ما يعرف بلغة الأطفال.
أما من عمر عام إلى عامين فيزداد فضول الطفل ورغبته في التفاعل فتكون الكتب التفاعلية التي تحتوي على أجزاء متحركة أكثر جذبا له كما تفيده القصص التي تعتمد على التكرار والكلمات البسيطة، وبالنسبة لسن من سنتين إلى ثلاث سنوات فيبدأ الطفل في فهم القصة بوصفها تسلسلا بسيطا من الأحداث ويفضل أن تكون القصص واقعية ومتصلة بحياته اليومية مع الاهتمام بسلامة التراكيب اللغوية.
وفي مرحلة ما قبل القراءة من 3 إلى 5 سنوات أشارت دكتورة إيمان إلى أن الهدف هو إعداد الطفل للقراءة الذاتية من خلال القصص التي تبرز أصوات الحروف داخل سياق طبيعي والقصص التي تتناول الأرقام إضافة إلى الكتب المصورة الخالية من النص، التي تشجع الطفل على السرد وبناء الجملة، وأكدت أن الأهم في جميع المراحل ليس خامة الكتاب ولكن أن يتاح للطفل لمس الكتاب واستكشافه بحرية ولكن الكتب القماشية تصبح خيارا أفضل إذا كنا سنمنع الطفل من التعامل مع الكتب الورقية لكي لا يتلفها.
هل يستفيد الجنين من قراءة الأم؟
وبشأن ما يثار حول ما إذا كان الجنين يسمع ويتأثر بكل ما تقوله الأم أثناء حملها به، توضح الدكتورة إيمان السيد أن حاسة السمع من أوائل الحواس التي تكتمل أثناء وجود الجنين في رحم الأم حيث يمر السمع بـ3 مراحل تطورية ففي الفترة من الأسبوع السادس عشر إلى الثامن عشر يسمع الجنين الأصوات الداخلية للأم مثل دقات القلب والتنفس وهي أصوات مألوفة تساعده على الهدوء بعد الولادة.
ثم من الأسبوع الثالث والعشرين إلى الرابع والعشرين يبدأ في سماع صوت الأم نفسه الذي ينتقل إليه عبر جسدها فيميزه عن غيره، ومع أواخر الحمل تقريبا من الأسبوع السابع والعشرين يصبح قادرا على سماع الأصوات المحيطة مثل الموسيقى وأصوات الأشخاص من حول الأم وكذلك تلاوة القرآن مثلا، ويتأثر بها من حيث الحركة ومعدل ضربات القلب ويبدأ في تمييز نغمة اللغة والإيقاع اللحني دون فهم المعاني وفي هذه المرحلة لا تحتاج الأم إلى قراءة قصص مخصصة للطفل، بل يكفي أن تقرأ أي محتوى لغوي تحبه بصوتها الطبيعي، لما لذلك من أثر مهدئ عليها وعلى الجنين معا، وتجدر الإشارة إلى أنه لا ينصح بتعريض بطن الحامل لمصادر صوتية مباشرة لأن ذلك قد يكون مزعجا لحاسة السمع الحساسة لدى الجنين، ولفتت السيد إلى أنه بعد الولادة يجب احترام محاولات الطفل الأولى في المناغاة والاستجابة لها لبناء التواصل اللغوي حيث يتعلم الطفل أن اللغة عملية تبادلية.