هل ما زال فرويد صالحًا؟.. قراءة في كتاب «العلاج الوحيد» لـ مارك سولمز - بوابة الشروق
الخميس 29 يناير 2026 6:59 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

هل ما زال فرويد صالحًا؟.. قراءة في كتاب «العلاج الوحيد» لـ مارك سولمز

منى غنيم
نشر في: الأربعاء 28 يناير 2026 - 9:19 ص | آخر تحديث: الأربعاء 28 يناير 2026 - 9:19 ص

قدم كتاب «العلاج الوحيد: فرويد وعلم الأعصاب للشفاء النفسي» لعالم الأعصاب والمحلل النفسي الجنوب إفريقي، مارك سولمز، دفاعًا موسّعًا عن أب التحليل النفسي ، سيجموند فرويد ، بوصفه عالمًا ومُعالجًا، في سياق إعادة تقييم مكانة التحليل النفسي بعد عقود من التراجع العلمي والنقد الحاد.

وأتي الكتاب في لحظة تشهد مؤشرات على عودة الاهتمام بأفكار "فرويد"، حتى في أوساط كانت قد رفضتها سابقًا؛ حيث اعتمد "سولمز"، وهو عالم أعصاب ومحلل نفسي ومحرر الطبعة الكاملة المنقحة لأعمال "فرويد"، على خلفية علمية متعددة التخصصات لعرض أطروحته.

وركز الكتاب على فكرة مركزية مفادها أن التحليل النفسي يمكن اعتباره علاجًا بالمعنى الكامل والشامل للكلمة، نظرًا إلى أن آثاره العلاجية قد تكون مستدامة وتستمر بعد انتهاء الجلسات، كما ذهب المؤلف إلى أن التحليل النفسي هو "العلاج الوحيد"، بحجة أن العلاجات المنافسة، وعلى رأسها الأدوية النفسية، لا تعالج الأسباب الجذرية للاضطرابات، وقد يزول تأثيرها عند التوقف عن استخدامها.

ولدعم هذه الأطروحات، استعرض الكتاب نتائج دراسات ومراجعات منهجية للتجارب السريرية المتعلقة بالعلاج النفسي والتحليل النفسي، وأشار إلى أبحاث تُظهر فوائد طويلة الأمد للتحليل النفسي، بما في ذلك العلاج التحليلي طويل الأمد، غير أن الكتاب تناول أيضًا التحفظات الواردة في هذه الدراسات نفسها، إذ تحذر من استخلاص نتائج حاسمة بسبب محدودية حجم العينات، وقِصر مدة بعض البرامج العلاجية، وانخفاض جودة الأدلة المتاحة، مع الدعوة إلى دراسات أكبر وأكثر دقة.

وناقش الكتاب الصعوبات المنهجية التي تواجه تقييم فعالية العلاجات النفسية وفق المعايير الصارمة للتجارب السريرية؛ مثل: التعمية المزدوجة - وهي إجراء بحثي في التجارب السريرية لا يعرف فيه كل من المريض والطبيب المعالج نوع العلاج الذي يتلقاه المشارك أثناء الدراسة، وذلك لمنع تأثير التوقعات أو الانحياز الشخصي في النتائج - وتجانس العينات - وهو مصطلح بحثي يشير إلى اختيار مجموعة من المشاركين تتشابه خصائصهم الأساسية (مثل العمر، وطبيعة الحالة المرضية، وشدتها)، بما يسمح بعزل أثر العلاج محل الدراسة وتقليل تأثير العوامل الخارجية على النتائج- ووجود مؤشرات كمية موضوعية للنتائج، وهي شروط يصعب تحقيقها في مجال العلاج النفسي عمومًا.

كما تناول "سولمز" العلاقة بين التحليل النفسي وعلم الأعصاب، مسلطًا الضوء على "فرويد" في مراحله المبكرة بوصفه مساهمًا جادًا في علم الأعصاب، وعلى اعتقاده بإمكانية التلاقي بين النماذج الوظيفية للعقل والنماذج الفسيولوجية. وفي هذا السياق، سعى الكتاب إلى تفكيك الصورة الشائعة لفرويد بوصفه صاحب نظريات غير علمية أو غير قابلة للاختبار.

ولم يدافع المؤلف عن جميع أفكار "فرويد" الكلاسيكية؛ إذ تخلى عن عدد من المفاهيم التي ارتبطت تقليديًا بالتحليل النفسي، مثل اعتبار الجنس أساسًا لكل اللذات، وغريزة الموت، وبعض البنى النظرية الأخرى؛ على غرار فرضية تقول إن إدراك الطفلة، في مراحل مبكرة من نموها النفسي، لاختلافها التشريحي عن الذكر قد يُنتج شعورًا بالنقص يُسهم، وفق هذا التصور، في تشكيل بعض جوانب شخصيتها وتطورها النفسي اللاحق. وقد أثار هذا المفهوم جدلًا واسعًا، وتعرّض لنقد كبير في الفكر النفسي الحديث، ولم يعد معتمدًا على نطاق واسع في الممارسات المعاصرة.

كما تناول الكتاب بنبرة نقدية اتجاهات وشخصيات لاحقة في تاريخ التحليل النفسي طورت مقاربات خاصة ومثيرة للجدل، وفي المقابل، احتفظ الكتاب بما يراه البصيرة المركزية لفرويد، وهي التأثير العميق والمستمر لتجارب الطفولة المبكرة، ولا سيما تلك التي تبقى غير واعية.

واستعرض "سولمز" عبر صفحات الكتاب حالات علاجية تُستخدم لتوضيح كيفية تأثير الخبرات المبكرة في الحياة النفسية اللاحقة، ودور العلاقة العلاجية القائمة على الإصغاء والتعاطف في التعامل مع هذه الخبرات، كما ورد عبر صحيفة الجارديان.

واختتم الكتاب بعرض حالة علاجية مطولة لطبيب عانى من سلسلة اضطرابات نفسية وجسدية بعد وفاة والدته، مستعرضًا مسار العلاج التحليلي الذي خضع له على مدى سنوات، وصولًا إلى تعافيه واستعادة استقراره الشخصي والمهني.

وبوجه عام، قدم الكتاب محاولة للجمع بين معطيات علم الأعصاب الحديث وبعض الأفكار الجوهرية للتحليل النفسي، مع الإقرار بوجود جدل علمي قائم حول مدى فعالية التحليل النفسي بوصفه علاجًا مميزًا مقارنة بغيره من العلاجات النفسية، والحاجة المستمرة إلى أبحاث إضافية لحسم هذا الجدل.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك