شهد الوسط الثقافي المصري، حالة واسعة من الجدل والتباين الحاد في ردود الفعل فور إعلان أسماء الفائزين بجوائز الدولة لهذا العام؛ فبينما حرصت أصوات قليلة على تقديم التهنئة والمباركة للفائزين، خيمت موجة عارمة من الغضب والانتقادات الحادة، وتركز معظم الهجوم على آليات التصويت، وغياب اللجان المتخصصة.
وأكد أصحاب الأصوات المنتقدة، أن النتائج جاءت محبطة وأدت إلى إقصاء قامات إبداعية ونقدية كبيرة لصالح أسماء أقل قيمة، مما يعكس أزمة حقيقية في إدارة الملف الثقافي، بحسب وصفهم.
• غياب الكبار
ومن جانبه، كتب الدكتور سيد إسماعيل ضيف الله أستاذ النقد الأدبي بأكاديمية الفنون، عبر حسابه على فيسبوك: "جوائز الدولة هذا العام دليل على غياب الكبار عن إدارة الثقافة في مصر.. لقد تفشى الناقد المخبر والمبدع محدود القيمة، وظن الموظفون الصغار أنهم قادرون على إدارة ثقافة مصر بتضخيم الصغار وتغييب الكبار".
وتسأل هل خلت مصر من النقاد الكبار الذين كانوا يضيفون للمناصب بثقلهم الثقافي، وتعود إليهم الدولة إذا ما عم الجهل بالناس؟ منذ اليوم الأول لتشكيل لجان التحكيم وأنا أعرف أن المشهد يدعو للأسف والحزن على إدارة ملف الثقافة في مصر.
وعبر حسابه على فيسبوك، كتب الكاتب إبراهيم عبد المجيد: "ألف مبروك لكل من فاز بجائزة من جوائز الدولة، وإن شاء الله تأتي الفرص في الأعوام القادمة لكل من لم يفز".
وبدوره، أثار الدكتور أيمن تعيلب أستاذ الأدب والنقد الحديث، نقاشًا واسعًا حول منظومة جوائز الدولة الأدبية، متناولًا إياها باعتبارها ظاهرة تعاني من أعطاب بنيوية عميقة تفصل بين القيمة الإبداعية الحقيقية وبين صناعة الشهرة والأوهام.
وجاءت المحاور الرئيسية لتعليق الدكتور أيمن تعيلب، في البداية، حول أزمة المعايير والتربيطات المؤسسية، ومنها صناعة النجم لا المبدع، مشيرًا إلى أن آليات الجوائز ترتكز على خلق أسماء لامعة وهمية بعيدًا عن عمق وقيمة الإبداع الحقيقي.
وتطرق إلى هيمنة المصالح، حيث تتحكم في لجان التحكيم شبكات من المجاملات والتربيطات المسبقة، مما يحول أعضاء اللجان إلى "كهنة" يدافعون عن مصالحهم وبقائهم على الكراسي.
وتناول إقصاء القامات الكبرى، ضاربا أمثلة بعدم استحقاق كثير من الفائزين مقابل تهميش قامات أدبية ونقدية كبرى مثل محمد عناني، ومحمد حسن عبد الله، ويوسف نوفل، وفوزي عيسى.
كما يتحدث تعيلب عن ثنائية الشهرة والقيمة، مشيرًا إلى أن مفهوم الشهرة، تاريخيًا، يحتمل دلالات متضاربة قد تشمل الصالح والطالح، وهي في الغالب صناعة إعلامية وفبركة مقصودة تعتمد على سلطة الأمر الواقع، وسلطة القيمة.
وأكد أنه، في المقابل، تستمد الحقيقة والإبداع الرصين قوتهما من الجوهر الفعلي المستقل عن الأضواء والترتيبات الخلفية.
وتحدث عن نقد منطق "الإجماع والتصويت" وتحيزات اللجان، موضحًا أنه يعتبر الإجماع والتصويت الإداري وسيلة لإقصاء المختلفين فكريًا (الماركسي، والليبرالي، إلخ)، وفقًا لأهواء شخصية وضغائن مسبقة.
وأكد أن الإبداع الحقيقي بطبيعته يرفض فكرة الحشد والتصويت، وأن الثقافة الحية تقوم على الحوار والاختلاف لا على الامتثال والإجماع المصطنع.
وقال الكاتب، إن الكثير من الجوائز الأدبية تحولت إلى أدوات للتسطيح والابتذال لصالح الأشباح الثقافية الوهمية.
• محمد عبد الباسط عيد: النتائج محبطة
أما الكاتب محمد عبد الباسط عيد، فكتب عبر حسابه على فيسبوك: "بصراحة، وبأكبر قدر من الحياد جوائز الدولة في الآداب والعلوم الاجتماعية محبطة؛ فقد خرج منها معظم الأسماء المهمة والمؤثرة.. هناك مشكلة حقيقية"
وتابع: "فإما أن المصوتين لا يعرفون الناس، وإما أنهم يعرفون ولكنهم منحوا أصواتهم للأقل قيمة.. عزائي الوحيد أننا نعرف الأكابر الذين خرجوا من السباق ونعرف قيمتهم، وهم يعرفون أننا نعرف".
• حسين القباحي يطالب بالاعتماد على اللجان المتخصصة
ومن جانبه، كتب الشاعر المصري حسين القباحي: "آليات التصويت وأدواته تفتقد المعيارية، وينبغي الاعتماد على اللجان المتخصصة، ولو حتى تكون هناك عدة مستويات من اللجان المتخصصة مثل درجات التقاضي، أما أن يصوت للآداب مثلًا من لا يعرف شيئًا عن المناخ الأدبي، أو يصوت لآلات الموسيقى والديكور من تربطه علاقة وثيقة بالأدب أو الآثار، فالمفروض أن يتم غربلة طرائق الاختيار".
• عادل درغام: الثقافة المصرية هي الخاسر
وعلق الدكتور عادل درغام أستاذ الأدب والنقد، كاتبًا عبر حسابه على فيسبوك: "بعض جوائز الدولة في التفوق في الآداب والعلوم الاجتماعية، وفي التقديرية في الآداب، تستحضر شئنا أم أبينا، الأغنية التي كثر ترددها في الفترة الأخيرة: يا مصر بتعمليها إزاي.. للأسف لا أحد يخسر سوى الثقافة المصرية".
وتابع درغام: "تأثير قائد النخبة الجاهلة المعروف سبب رئيس في غياب اسم جار النبي الحلو - وهذه جريمة - عن جوائز الدولة، وسبب رئيس في فوز من لا يستحق، وسبب رئيس في فوز محدودي الموهبة والإنجاز في التفوق في الآداب، وسبب رئيس في فوز باحثة في العلوم الاجتماعية ليس لها منجز كافٍ".
• عبد الحافظ بخيت: التصويت يفتح الباب للتربيطات
وكتب الكاتب والشاعر عبد الحافظ بخيت متولي، على حسابه بفيسبوك: "أبارك للسادة الفائزين بجوائز الدولة المختلفة في الآداب هذا العام، وأشد على يد من لم يحالفهم الحظ، وهذه الجوائز ليست نهاية الكون، وإن كانت اعترافًا من الدولة بقيمة الأديب أو العالم أو الفنان وأهميته".
وأكمل: "ومع ذلك أقول: إن الجوائز التي تخضع للتصويت ليست لها قيمة سوى الرغبة في الحصول على المبلغ المالي، قيمة الجائزة، وإن الاختيار الحقيقي يخضع لعدة آليات، أهمها إنتاج المرشح للجائزة، وتأثيره في الحركة الثقافية والعلمية، وملامح مشروعه الفكري والثقافي والأدبي".
وأضاف: "هذه المعايير وغيرها هي التي تحدد من يستحق الجائزة، أما التصويت فطبيعي أن يخضع للتربيطات والشللية والاختيار العشوائي، وهذه ليست معايير اختيار موضوعية، وأرجو أن تراجع وزارة الثقافة لوائح الجوائز وتضع معايير علمية تعيد للجائزة قيمتها وللفائز بها جدارة الفوز".