صاحب القميص الأزرق - داليا شمس - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 أبريل 2020 4:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

صاحب القميص الأزرق

نشر فى : السبت 1 فبراير 2020 - 11:20 م | آخر تحديث : السبت 1 فبراير 2020 - 11:20 م

مازال يشجب ويحذر ويدين وينفي ويؤكد، ذلك هو نبيل أبو ردينة الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية لسنوات. الرجل ذو القميص الأزرق الغامق الذي كان يهمس دائما في أذن ياسر عرفات، وحاليا يفعل الشيء نفسه مع محمود عباس الذي تولى السلطة في يناير 2005. رأيناه وزملاءه مصطفين حول الرئيس ليردوا على صفقة القرن بالرفض، ومن خلفهم بالطبع منظر للقدس العتيق، كأننا في فيلم عبثي للمخرج إيليا سليمان حيث تتكرر المشاهد والكلمات.
الوجوه ذاتها، فقط أضيف إلى ملامحها بعض عوامل الزمن وتأثيرات الصفعة. مهندسو أوسلو وما بعدها. أما هو أبو أسامة، كما يقال له، فلم يتغير كثيرا. كالعادة لا يمكن قراءة تعبيرات وجهه التي تحمل على الأغلب علامات حزن دفين. تقريبا لم نلمحه يضحك من قبل، كأنه في حالة حداد مستمر، ربما بسبب ما شاهد وعايش من أحداث في سرية تامة.
كان مستشار عرفات المقرب في الفترة الأخيرة، يتدبر كل شيء يخصه، من تنظيم مواعيده لتحديد ساعات القيلولة. ومن بعده صار من المقربين للرئيس أبو مازن الذي عينه نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للإعلام في آخر حكومتين، بالإضافة إلى كونه الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية.
***
حصيف، كتوم، هادئ، على نمط الرجال الذين يهمسون في أذن الرؤساء، مثله أيضا مثل من يحبون لبس اللون الأزرق. ورغم أنه يظهر طوال الوقت، إلا أنه دائما في الخلفية، حتى لو كان هو من يرد فعليا بصفته المتحدث الرسمي. ويزيد من غموضه قلة المعلومات المتوافرة عنه، بالنسبة للجمهور العادي البعيد عن الدوائر الفلسطينية، فكل ما هو معروف عنه أنه مسيحي من مواليد بيت لحم عام 1952، وأنه التحق بالثورة مبكرا وعمل لسنوات طويلة مساعدا لعضو اللجنة المركزية خليل الوزير (أبو جهاد) الذي اشتهر بالعمليات الفدائية واغتالته إسرائيل عام 1988 بتونس بالتزامن مع الانتفاضة الأولى التي كان من أشد المتحمسين لها، ومن بعدها انتقل للعمل مع ياسر عرفات، ولازمه في أواخر أيامه حين حاصرته إسرائيل في مقطاعته برام الله. أي أنه شهد فصلا دراماتيكيا نادرا ما يتكرر، عندما يحاصر رئيسا أو قائدا كعرفات في مقر حكمه، بل ويتم تدمير جزءا كبيرا منه في سبتمبر 2002، ويبقى ما يشبه السجن الذي احتمى به وبعض رجاله، في تذكرة غريبة بأصل المكان الذي كان قاعدة عسكرية في ظل الاحتلال البريطاني، ثم مركزا إداريا تابعا للأردن... وفي كل الحالات كان يحوى مكانا للاحتجاز.
ظل نبيل أبو ردينة يدين ويشجب باسم عرفات، وهذا الأخير على فراش الموت في مشفاه الفرنسي، فأدان مثلا تفجير تل أبيب الذي اقترفته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حينها، وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص. ثم تردد بعد موت عرفات كلاما عن أن أبو ردينة أصيب بمرض يشبه ما أصاب الرئيس الفلسطيني الراحل، نتيجة تسمم تعرض له، إلا أن السلطة نفت ذلك رسميا، مؤكدة أنه بحالة جيدة وسيعود من لندن خلال أيام بعد تلقيه العلاج هناك.
***
أبو ردينة يذكرني بشخصية أخرى فلسطينية، أيضا واقعية، لكن خارج نطاق السياسة، وهو رائد أبو عواد، شرطي المرور الذي كان يعمل بمهارة على تسهيل حركة السير بدوار المنارة في رام الله، حتى أنه ظهر في كل أفلام السينما الفلسطينية التي تلت الانتفاضة الثانية، وذلك قبل أن ينتقل بعد سنوات إلى مدينة بيت لحم على بعد حوالي 80 كيلومترا من مسقط رأسه بيرزيت.
ابتكر رائد عواد حركات يؤديها على أنغام صافرته وهو يقوم بعمله بمنتهى التفاني، فظهر في كثير من الأفلام وسط زحام رام الله وكأنه مصمم رقصات أو مايسترو، يحاول أن يقلل من حجم الفوضى. وبما أن معظم أفلام ما بعد أوسلو لم تتعرض تقريبا للشأن السياسي الداخلي، فكان هو لسنوات أحد الرموز القليلة للسلطة الفلسطينية في السينما. وربما كان في ذلك إشارة لعدم تواجد هذه السلطة بشكل كاف في الشارع أو لعجزها وقلة حيلتها. وعلى هذا ظل هو لسنوات ممثل السلطة الوحيد على الشاشة الكبيرة! وكأنها لا تتحكم سوى في العمل الشرطي وتنظيم المرور، في مجاز على أن فكرة الدولة، وفقا لتصورات أوسلو، هي مجرد سراب.
ظهر أبو عواد كمن يحاول تعويض غياب وهنات السلطة التي يمثلها، ولم يكن السينمائيون يرغبون، على ما يبدو، في تناول مثل هذه الأمور تأكيدا على أن مشكلتهم هي بالأحرى مع المحتل وليس مع مجموعة القادة والتكنوقراط الذين يديرون البلد. توارت فكرة المقاومة ووجوهها خلف المفاهيم السائدة للتنمية وبناء "الدولة". الخطاب القومي الفلسطيني فُرغ من معناه وخطاب السلطة كان يهدف إلى حماية المصالح والمكتسبات، وحاول كل فرد أن ينجو بنفسه في ظل غياب رؤية سياسية جماعية إلا فيما ندر، وهو ما انعكس في السينما وفي الواقع.
***
ظل نبيل أبو ردينة بقميصه الأزرق ينمق التصريحات الرسمية، ويهمس في أذن الرئيس. وظل رائد أبو عواد، أيضا بقميصه الأزرق وإن اختلفت درجته، يحاول تنظيم حركة السير. لكن حصل حادث لهذا الأخير، لا يخلو من الرمزية. شتمته امرأة ودهسته أثناء تأدية وظيفته في الشارع، عام 2016، بعد انتقاله إلى بيت لحم، على أحد المفارق. السلطة التي طالما رمز لها على الشاشة أصبحت في أوج ضعفها وعجزها.

التعليقات