الربع ساعة الأخيرة فى أزمة سد النهضة - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
السبت 15 أغسطس 2020 1:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الربع ساعة الأخيرة فى أزمة سد النهضة

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2020 - 7:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2020 - 7:05 م

كأى أزمة وجودية فإن تمددها فى الزمن يستهلك الأعصاب العامة خشية أن تفلت تداعياتها عن أية سيطرة ممكنة.
لأكثر من عشر سنوات تمددت أزمة «سد النهضة» فى مفاوضات تراوح مكانها دون تفاهمات جدية تؤسس لاتفاق قانونى ملزم، عادل ومنصف، يوفر لإثيوبيا حقها فى الكهرباء والتنمية ويضمن لدولتى المصب مصر والسودان الحق فى الحياة.
كان ذلك مقصودا ومنهجيا لاستهلاك الوقت حتى يستكمل بناء السد ويبدأ ملء خزانه ويصبح من حق إثيوبيا وحدها التحكم فى مياه نهر النيل الأزرق، تقرر الأنصبة والحصص، تمنح وتمنع، كما لو أنه إثيوبى لا نهر دولى يخضع للقوانين الدولية.
قرب خط النهاية أعلنت إثيوبيا أنها سوف تبدأ فى ملء خزان السد خلال يوليو الحالى باتفاق، أو بدون اتفاق مع دولتى المصب.
بالنسبة لمصر تكتسب أزمة المياه أولويتها المطلقة من وجوديتها، فإذا ما تعرضت لأضرار جسيمة لا يمكن استبعاد سيناريو واحد على حافة الحياة والموت.
هكذا طرحت مصر قضيتها على مجلس الأمن الدولى بأوضح العبارات والصياغات، كل حرف فى موضعه، لا تهاون فى حق ولا تورط فى تهديد، غير أن الرسالة لم تخف على أحد.
لأول مرة منذ عشر سنوات تبدت استراتيجية شبه متماسكة فى إدارة الملف الحساس، تعرف أهدافها ووسائلها وتتحسب لخطواتها ووقع كلماتها، فأى خطأ يكلف البلد أمنه المائى ومستقبله ووجوده.
إعادة تعريف الأزمة، مدى عمقها وخطورتها، كأزمة وجودية يفضى تفاقهما إلى اخلال جسيم بالحق فى الحياة وإخلال جسيم آخر بالسلم والأمن الدوليين كان أهم أثر لما جرى فى مجلس الأمن.
كان ذلك «سابقة» فى مثل هذا النوع من المنازعات وفق تكييف قانونى متماسك ومنذر بالعواقب والتداعيات، لكنه لم يكن موضع إجماع، فقد ساندته دول واعترضت عليه أخرى ومالت إلى الحياد كتلة ثالثة وازنة.
تستحق خريطة مجلس الأمن بتشابكات المصالح والاستراتيجيات مراجعة متأنية فى حقيقة المواقف وأسبابها واحتمالات تعديلها، فالعودة إليه مرجحة إذا ما فشلت المفاوضات المقترحة تحت العباءة الإفريقية فى التوصل إلى اتفاق ملزم يتضمن آلية واضحة لفض المنازعات التى قد تحدث مستقبلا.
إلى أى حد تتباين مواقف الدول الخمس الكبرى فى مجلس الأمن فى ملف «سد النهضة».. وما الذى يتوجب فعله لتأكيد المواقف المؤيدة وتعديل المواقف المضادة؟
هذا سؤال أول فى موازين القوى قرب خط النهاية.
إلى أى حد تتراوح المواقف الإفريقية فى النظر إلى حرب المياه التى تكاد تشتعل.. وما مدى الفرص المتاحة لتعديل المواقف بالنظر إلى عدالة المطلب المصرى فى طلب الحياة دون إنكار حق التنمية على إثيوبيا؟
هذا سؤال ثان فى صلاتنا بالقارة وضرورات مراجعتها.
ما حجم الاستثمارات العربية فى إثيوبيا.. وما حدود الضغط الذى يمكن أن تقدمه حتى يكون ممكنا التوصل إلى اتفاق ملزم وعادل؟
هذا سؤال ثالث جاء وقته على حد الحياة والموت.
فى توقيت متزامن طرحت أزمتان على جدول الأعمال المصرى، أولاهما ــ الأزمة الليبية المتفاقمة، وقد استولت بحكم صراعات المصالح والاستراتيجيات الدولية والإقليمية على قدر كبير من الاهتمام والمتابعة.. وثانيتهما ــ أزمة «سد النهضة»، التى تكاد تؤذن بتفجرها، دون أن تحظى بذات درجة الاهتمام من اللاعبين الإقليميين والدوليين.
هكذا تصدرت الأزمة الليبية وشبه توارت أزمة «سد النهضة» على الخرائط الدولية.
رغم ما تمثله الأزمة الليبية من مصادر خطر على الأمن القومى عند الحدود الغربية، فإنها لا تقارن بأزمة «سد النهضة» حيث لا يمكن تدارك تداعياتها على الوجود نفسه.
لم يكن مستغربا أن تعترض أثيوبيا على إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولى، ولا أن تشاركها الاعتراض نفسه الدول التى تناصرها.
أسست اعتراضها على أن المفاوضات بين الدول الثلاثة قطعت شوطا طويلا، وأن القارة الإفريقية هى الفضاء المناسب للتوصل إلى حل.
كانت تلك مناورة جديدة قرب خط النهاية قبل إعلان البدء فى ملء خزان السد، فلم تكن هناك توافقات حقيقية بشأن إلزامية ما جرى التوصل إليه فنيا، وكل شىء قابل للمراجعة جولة تفاوض بعد أخرى.
لم يكن ذلك لغياب الإرادة السياسية، كما يقول عادة الخطاب الدبلوماسى المصرى، بل تعبيرا عن هذه الإرادة حتى يمكن السيطرة على نهر النيل، أو الإمساك بـ«صنبور المياه» من عند المنبع ووضع مصر تحت الضغط والابتزاز بحسب الظروف المتغيرة وإرادات المصالح المحرضة.
بتوصيف آخر للصراع على المياه فهو حرب إرادات وشرعيات.
بالنسبة لمصر فإنها مسألة وجود، كما هى مسألة شرعية حيث الحفاظ على مياه النيل المصدر الرئيسى للشرعية منذ الحضارة الفرعونية.
وبالنسبة لإثيوبيا فالتشدد بالتفاوض مصدر شرعية فى ظل أزمات داخلية سياسية متفاقمة بين أعراق متناحرة.
فى صراع الإرادات والشرعيات كان الدافع الرئيسى لإثيوبيا لفتح القناة الإفريقية تجنب تراكم الضغوط الدبلوماسية المصرية فى الربع ساعة الأخيرة قبل البدء فى ملء خزان السد.
هكذا عقدت قمة افتراضية شاركت فيها قيادات الدول الثلاث مع هيئة مكتب الاتحاد الإفريقى برئاسة جنوب إفريقيا، الأقرب إلى إثيوبيا، قبل اجتماع مجلس الأمن.
بحسب إفادتى مصر والسودان عن نتائج القمة الإفريقية المصغرة فقد جرى التوافق على استكمال التفاوض حتى يمكن توقيع اتفاق ملزم خلال أسبوعين، وأن تمتنع إثيوبيا عن ملء خزان السد لحين توقيع هذا الاتفاق.
بحسب الإفادة الإثيوبية فقد اقتصرت على الموعد المقرر للانتهاء من المفاوضات دون إشارة إلى أى امتناع عن البدء فى ملء الخزان.
ربما يفسر ذلك بالأوضاع الداخلية الإثيوبية وحجم التعبئة السياسية والإعلامية التى يصعب التراجع عنها دون كلفة سياسية تدفعها الحكومة الحالية فى الانتخابات المنتظرة.
كما قد يفسر بأنه إمعان فى المناورة قرب خط النهاية لاستهلاك الوقت قبل وضع الأطراف الأخرى أمام الأمر الواقع.
أهم ما تملكه مصر من أوراق تفاوضية هى مصر نفسها بموقعها الاستراتيجى ووزنها التاريخى فى منطقتها.
الصراع على المياه هو نوع من الصراع على مصر ومستقبلها ووجودها نفسه.
هذه هى الحقيقة الرئيسية فى كل ما يجرى حولنا.