ليدى ماكبث فى إسطنبول - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 18 أغسطس 2022 9:25 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

ليدى ماكبث فى إسطنبول

نشر فى : السبت 2 يوليه 2022 - 8:10 م | آخر تحديث : السبت 2 يوليه 2022 - 8:10 م

فهِمتُ أكثر عن ما كانت تبحث الكاتبة التركية، سيديف اسر، حين زارت الإسكندرية بدعوة من مهرجان «سرد المتوسط» فى مايو الماضى، فهى من هؤلاء الذين يقتفون أثر الفراشات ويقتبسون من الظلال. تمشى فى مدينة كالإسكندرية أو فى إسطنبول، مسقط رأسها، أو فى باريس حيث تقيم، محاولة تلمس روح الأماكن التى شهدت حيوات ربما لم تعد موجودة لكن أثرها لا يزول. تفاصيل عدة ترويه كل يوم بشكل أو بآخر.

فهِمتُ أكثر خفة وعمق تلك السيدة الخمسينية حين قرأت أول رواية تكتبها بالفرنسية، وهى بعنوان «كنز وطنى» أو (Trésor national) التى ستصدر بالألمانية العام المقبل، لكنها لم تترجم بعد إلى العربية. فى هذا العمل الصادر قبل سنة والذى حقق نجاحا كبيرا نشعر بخبراتها السابقة ككاتبة سيناريو ومؤلفة ومخرجة مسرحية بارعة. الإيقاع متدفق، نكاد نسمع صوت الابنة وهى تقص حكاية أمها الممثلة الشهيرة ــ إسراء زمان ــ التى تجاوز عمرها الثمانين وتسعى، على فراش الموت، إلى ترتيب جنازة تليق بها وبلقب «كنز وطنى» الذى التصق بها منذ عقود.
•••
الكاتبة فى مثل عمر الراوية، وقد وصلت إلى باريس تقريبا فى مثل سنها خلال ثمانينيات القرن الفائت. تتحدث عن مدينتها وعن حياة أمها فيها، فيختلط تاريخ إسطنبول وتاريخ الفنانة معا. «خلال سنوات طفولتى، كنتِ وهذه المدينة توأمين. لكما أوجه متعددة ومتناقضة تحمل الجمال والقبح، المرح والحزن (...) الجنون والحكمة. متبرجتان، لا يمكن أن نخمن عمركما الحقيقى، تارة تبدين كسيدة شابة وتارة كامرأة عجوز. عرفتما الكثير من العظمة والمجد الغابر.. مواقع هدم وبناء، جروح لم تلتئم، ندوب الزمان والحروب. أنتما مليحتان، متوهجتان، رغم ثقل التاريخ الذى تحملانه. تشبهين كثيرا هذه المدينة التى تعانى من اضطراب ثنائى القطب وتعتريها نوبات الهوس».
نصحب الأم وابنتها فى جولاتهما بشارع الاستقلال داخل أشهر مطعم لأكل البط أو محل حلويات «إنجى» أو عند افتتاح جسر البوسفور الذى يربط أوروبا بآسيا. وحين تتعرض لقصة حب أمها الممثلة الصاخبة وأبيها المصور الصحفى الذى غطى عشرات النزاعات والحروب ومات فى السجن وهو فى الرابعة والثلاثين، تتحدث عن تاريخ زاخر بالانقلابات، فى 1960، 1971، 1980، 1997، 2016. نجحت جميعها، ما عدا الأخير، وكأن فى كل مرحلة من مراحل تاريخ تركيا يتم الالتفاف على بؤرة التوتر أو المشكلة الجوهرية دون حلها، وحين تظهر مجددا على السطح يتم تجاوزها بواسطة انقلاب.
•••
كان فشل انقلاب 2016 هو ما دفع المؤلفة لفتح صندوق الذكريات. مزجت بحنكة دون تكلف بين الحب والسياسة والتاريخ، لنتعرف على نساء ورجال ومدينة. شخصيات تدخل وتخرج من على خشبة المسرح، والراوية مستمرة فى مونولوج نسجت كلماته بدقة ورقة وخفة دم. تسخر من نفسها ومن تركيبة أمها بالغة الصعوبة والتعقيد. ممثلة شخصت على خشبة المسرح القومى أهم نساء الأدب العالمى، تُشبِهُها أحيانا بليدى ماكبث، بطلة تراجيديا وليم شكسبير، التى أصبحت ملكة اسكتلندا بعدما دفعت زوجها إلى قتل الحاكم، ثم ظلت تعانى من الشعور بالذنب لكونها جزءا من الجريمة. الراوية أيضا تأخذ على أمها أنها كانت السبب فى موت الأب فى محبسه، رغم حبها الشديد له. صديق لهما، قريب من دوائر الحكم، هو من زج به فى السجن، بسبب عشقه للفنانة «الكنز» التى مثلت 250 فيلما طويلا منذ أن كان عمرها أربع سنوات، فإسراء زمان هى ابنة أول ممثلة تركية مسلمة.
سلسال من النساء المتمردات هى وريثته يجعلنا نتعرف من كثب على كواليس المسرح والسينما فى تركيا، خاصة خلال عصرها الذهبى فى الستينيات حين كانت تنتج 300 فيلم فى السنة. نرى الممثلة بعين الطفلة التى تراقب أمها وأحوالها تتبدل من شخصية لأخرى، تارة تعيش مع ليدى ماكبث وتارة مع أنتيجون وتارة مع بلانش، بطلة «عربة اسمها الرغبة»، وتارة تجد نفسها أمام مارلين مونرو فى «البعض يفضلونها ساخنة». أصبحت الأم مع الوقت كل هؤلاء النساء، «حتى رائحتك كانت تتغير، وكأن سيدة غريبة قد التهمت والدتى على حين غرة».
لم يكن سهلا عليها أن تحظى بأم «تفضل القصص الخرافية عن حياة الواقع»، لكن حين بعثت إليها بحقيبة يد والدها وبداخلها مجموعة من الصور والخطابات وأفيشات الأفلام، وطلبت إليها أن تكتب كلمة عنها وتلقيها فى حفل التأبين الذى قررت أن تنظمه بنفسها قبل وفاتها، لكى يتم إخراجه بالصورة التى تريد، اضطرت إلى مراجعة شريط ذكرياتها وإعادة تقييمه.
•••
لم نعد نفصل بين الشخصى والعام، بين تاريخ البلد والفنانة، وفى كثير من الأحيان يلتبس على القارئ الأمر ولا يعرف إلى أى مدى يختلط الواقع بالخيال، فبعض الأحداث حقيقية حتى لو تم تغيير الأسماء، والنساء اللائى تصفهن الكاتبة عشن بالفعل أو على الأقل اقتبست ملامح بعضهن، لأن سيديف أسر وهى طفلة عملت كممثلة فى العديد من الأفلام.
نبحر معها فى عالم نسجت تفاصيله على مدى أربع سنوات من الكتابة والبحث. نكتشف كيف تركت إسطنبول وهى فى العشرين، لكن المدينة مازالت تسكنها. تستيقظ فى الصباح وهى تشتهى إفطارا تركيا تقليديا، تكتب أولى رواياتها بالفرنسية وتتحدث فيها عن سيدة وأم مختلفة تنتمى لإسطنبول التى كانت. نشعر فى مكان ما أننا قد نروى الأشياء نفسها عن القاهرة أو الإسكندرية. لذا كانت تتجول بنهمٍ فى هذه المدينة الساحلية المصرية. نردد مقولة ألبير كامو مثلما فعلت بطلة الرواية، إسراء زمان، على خشبة المسرح: «الحالمون هم من يغيرون العالم، أما الآخرون فلا وقت لديهم»، ونحن فى هذا العمل بصدد مجموعة من الحالمين المبدعين.

التعليقات