على هامش مئوية الحزب الشيوعى الصينى - عزت سعد - بوابة الشروق
الجمعة 22 أكتوبر 2021 4:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

على هامش مئوية الحزب الشيوعى الصينى

نشر فى : الإثنين 2 أغسطس 2021 - 7:50 م | آخر تحديث : الإثنين 2 أغسطس 2021 - 7:50 م
فى 23 يوليو الماضى، احتفلت الصين بمرور مائة عام على إنشاء الحزب الشيوعى. وبهذه المناسبة وجه الرئيس عبدالفتاح السيسى رسالة تهنئة للرئيس «شى جينبنج» أمين عام الحزب ورئيس الصين وشعبها وصف فيها الحزب بأنه «الصرح السياسى العظيم الذى قاد الصين بنجاح فأمن الاستقلال التام، وأقام هيكل للدولة الصينية عام 1949، ثم قادها ومازال إلى يومنا هذا بسياسة حكيمة استطاعت أن تحقق المعجزة الاقتصادية الصينية التى دفعت بالصين إلى مصاف الدول الكبرى كقوة دولية تعكس عظمة الحضارة الصينية وتستلهم من تاريخها قوة دافعة للحداثة، حيث أصبحت التجربة الصينية، تمثل قصة نجاح يسعى كثيرون إلى دراستها والاستفادة منها...». وتطرقت الرسالة لما وصلت إليه العلاقات المصرية الصينية من ارتقاء لتصبح ذات طبيعة استراتيجية شاملة، منوها بـ«المفارقة التاريخية التى جعلت أول مؤتمر وطنى للحزب الشيوعى الصينى (1921) يتوافق مع الثالث والعشرين من يوليو عندما قامت الثورة المصرية المجيدة فى عام 1952 والتى وضعت أسس توجه الدولة المصرية الحديثة... فكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية وشرق أوسطية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وإنجازات الحزب الشيوعى الصينى وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها».
ومما لاشك فيه أن رسالة الرئيس السيسى تؤكد التوجه العام للسياسة الخارجية المصرية على مدى السنوات السبع الماضية والمتمثل فى الاستقلالية والتوازن وأولوية المصالح المصرية وأمن البلاد القومى كهدف رئيسى لهذه السياسة. وفى هذا السياق لا يمكن تجاهل الإنجازات التى تحققت على صعيد العلاقات المصرية/الصينية فى السنوات الأخيرة فى مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار وغيرها.
***
وتشير تقديرات أمريكية عديدة إلى أن هدف بكين الرئيسى هو حماية حكم الحزب الشيوعى الصينى من النقد الخارجى، بدلا من تصديره كنموذج إلى الخارج. فالمقاربة الصينية لا تستهدف الديمقراطيات الغربية أو غيرها، كما أنها بعيدة كل البعد عن دعم «ماو» أو «ستالين» للثورات الشيوعية فى الخارج. ولا تبدو بكين معنية بالنظم الداخلية للدول، وإنما تهتم بالأساس بمواقف الدول تجاه الحزب الشيوعى فى الداخل، بجانب النزاعات حول السيادة الصينية والتعاون الاقتصادى مع الصين، على الترتيب. وبدلا من محاولات تقويض الديمقراطيات الليبرالية ــ على خلاف روسيا وفقا لتقييم الغرب ــ تولى الصين جل جهودها لتغيير مواقف وسياسات هذه البلدان تجاه حكم الحزب الشيوعى ومنع الحكومات من دعم المناوئين للسيادة الصينية فى هونج كونج أو مضيق تايوان أو جزر بحر الصين الجنوبى.
وتعتقد تلك التقديرات أنه ما قبل إدارة ترامب، التى تبنت شعار «أمريكا أولا»، اتبعت الولايات المتحدة سياسة خارجية تقوم على الأيديولوجية أكثر بكثير من الصين. وقد عاد هذا الاتجاه بقوة مع إدارة بايدن. فقد دعمت واشنطن الثورات الملونة فى أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى وفى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بدعم من الحزبين الديمقراطى والجمهورى، فيما سمى بـ«الأيديولوجية التحريضية».
ويصف بعض المحللين التدهور الحاصل الآن فى العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، بأنه التطور الجيو سياسى الأهم منذ تفشى وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد ــ 19) حتى الآن، حيث تبدو علاقات البلدين وكأنها وصلت إلى نقطة اللاعودة، بعد تحول ما بدا كحرب تجارية ونزاع على حقوق الملكية الفكرية إلى عداء يشمل السياسة الداخلية للصين والأيديولوجية، وبدت واشنطن وكأنها اكتشفت فجأة أن الصين يحكمها الحزب الشيوعى، على حد قول بعض الكتاب.
وقد جاء احتفاء الحزب الشيوعى بمئويته وسط كم هائل من التقديرات، من خبراء أمريكيين فى الأساس، التى تؤكد أن الصعود الصينى يمثل التحدى الاستراتيجى الأكبر والأكثر تعقيدا الذى تواجهه الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة. وفى هذا الصدد أطلقت إدارة بايدن استراتيجية جديدة للتعامل مع بكين، تعتمد أساسا على تكوين تحالفات دولية تضم الحلفاء والشركاء الأوربيين والآسيويين لكبح جماح النفوذ الصينى. ومن بين عشرات التقديرات فى هذا الشأن، تقرير حديث للمجلس الأطلنطى (مارس 2021) ــ اعتمد على أبحاث وآراء مئات الخبراء وصانعى السياسات والأكاديميين فى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، يشير إلى خمس فئات من التهديدات التى تمثلها الصين لواشنطن وحلفائها. يتعلق الأول منها بالخطر الذى يمثله النظام الصينى، ممثلا فى الحزب الشيوعى، على القيم الديمقراطية التى تدافع عنها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ويشير التقرير إلى اعتماد الرئيس الصينى على استراتيجية لتأجيج القومية الصينية ودعم الحزب الشيوعى، وهو التهديد الثانى، والذى يتواكب مع صعود ما يسمى بـ«الحلم الصينى» وهو استراتيجية تنموية طموحة تسعى الصين لتحقيقها بحلول عام 2049، مستخدمة عدة آليات لتحقيق ذلك من أهمها مبادرة الحزام والطريق التى ينظر إليها على أنها أكبر مشروع إنمائى فى القرن الحادى والعشرين لكسب النفوذ على الساحة العالمية، ومبادرة صنع فى الصين 2025 التى تعزز الإنتاج المحلى والتصدير وتقليل الاعتماد على الخارج. أما التهديد الثالث، وفقا للتقرير، فيتمثل فى سعى الصين إلى إعادة تشكيل نظام الحكومة العالمى وخلق نظام موازٍ للنظام الدولى الحالى بما يجعل العالم «آمنا للحزب الشيوعى الصينى»، لذلك تقوم الصين باتباع استراتيجية التدخل المضاد من أجل الحفاظ على قوة الحزب فى الداخل، مستندة فى ذلك على المبدأ الصينى «الفوز بدون قتال»، أى أن تعمل الصين على بسط نفوذها السياسى فى الدول الأخرى من خلال «الدبلوماسية القسرية»، التى تعنى اختراق أنظمة الدول من خلال الهجمات السيبرانية وعمليات التجسس للاطلاع على البيانات السرية...إلخ. ويشير التقرير إلى التهديدين الاقتصادى والعسكرى باعتبارهما التهديدين الرابع والخامس.
***
الواقع أن الهدف من هذا المقال ليس تناول إنجازات الصين بقيادة الحزب الشيوعى على مدى العقود السبعة الماضية، حيث باتت القوة الاقتصادية الثانية والأولى تجاريا عالميا ومساهمتها بنسبة 16% تقريبا فى إجمالى الناتج الإجمالى العالمى وكسب المعركة ضد الفقر...إلخ، وإنما إلقاء الضوء على ما يسميه بعض الكتاب الأمريكيين بـ«القلق الوجودى» الذى انتاب إدارة بايدن من الصعود الصينى، وهو ما ظهر بوضوح منذ خطاب بايدن الأول حول السياسة الخارجية فى فبراير الماضى، ثم ملاحظاته أمام مؤتمر ميونخ لسياسات الأمن فى وقت لاحق من الشهر ذاته، وانتهاء برحلة بايدن الأولى خارج الولايات المتحدة إلى أوروبا فى يونيو الماضى، أى بعد مرور خمسة أشهر تقريبا على دخوله البيت الأبيض، والتى ــ وفقا للعديد من المحللين ــ لم تهدف فقط إلى إقناع مجموعة السبع ثم دول حلف شمال الأطلنطى وقادة الاتحاد الأوروبى بعودة أمريكا، بل وأيضا لتعبئة وحشد أصدقاء واشنطن لمواجهة التهديد الذى تمثله الصين، وأن هذه الأخيرة هى ــ وفقا لبايدن ــ «العدو الجديد للعالم الحر، وينبغى لنا أن نتكاتف معا للكفاح ضدها».
والحقيقة أن نظرة إلى الخطاب السياسى للرئيس بايدن منذ دخوله البيت الأبيض فى يناير الماضى، وحتى الآن، توحى للمرء بأن العالم بات أسيرا لصراع تاريخى بين «الديمقراطيات» من ناحية، و«النظم الاستبدادية» من ناحية أخرى، وأن مصير البشرية، ستحسمه الدول الديمقراطية التى ستكسب المعركة تحت قيادة أمريكا. وبغض النظر عن واقع أن هذا الخطاب يستهدف أساسا التغلب على إرث ترامب فى الداخل والخارج وعودة الولايات المتحدة إلى الساحة العالمية، يعتقد محللون كثر أنه من الخطأ، بل وسوء التقدير، أن يبقى بايدن أسيرا لهذا التأطير الثنائى القطب والأيديولوجى الذى تحركه أساسا المنافسة العالمية مع الصين، وبدرجة أقل مع روسيا. ويرجح هؤلاء أن تكون محصلة هذا التأطير محدودة للغاية، وقد تؤدى إلى نتائج عكسية. ويشار فى هذا السياق إلى أن الولايات المتحدة قد تكون محقة، أو لديها مصلحة، فى مكافحة النفوذ الأيديولوجى الصينى وجعل ذلك أولوية الأولويات فى سياستها الخارجية، غير أنه من غير المنطقى، وغير المفهوم، أن تسعى واشنطن إلى إقناع الدول الأخرى، خاصة الحلفاء والشركاء الذين لديهم مصالح لا يستهان بها، بل ويمكن وصفها بالاستراتيجية، فى الحفاظ على علاقات جيدة ومثمرة مع كل من الصين وروسيا، بالالتزام بتوجيهاتها فى هذا الشأن. وتشير شواهد عديدة على أن هذا النهج الأمريكى سيفشل فى حشد رأس المال الدبلوماسى والموارد التى يحتاجها، ناهيك عن إمكانية أن يدفع هذا النهج كلا من بكين وموسكو إلى المزيد من الاصطفاف والتنسيق الوثيق، ودفع الدول الأخرى إلى تعميق العلاقات مع الصين وروسيا. ولا يخفى أن خطاب بايدن فى هذا الشأن يعد استفزازا للبلدين، بما يحمله ذلك من نتائج على الأطراف الثالثة وخلق مناخ دولى يتسم بمنافسة متصاعدة بين القوى الكبرى بدلا من تخفيفها. والطريف أن بايدن كثيرا ما يؤكد على أنه لا يتحدث عن حرب باردة جديدة، غير أن «خصومه المستبدين» يفهمون ما يقول.
أخيرا كان بيرنى ساندرز، العضو الديمقراطى بمجلس الشيوخ محقا عندما ذكر فى مقال له بدورية الشئون الخارجية فى 17 يونيو الماضى «أن الصراع الأساسى بين الديمقراطية والاستبداد لا يحدث بين البلدان بل داخلها، بما فى ذلك الولايات المتحدة. ولن تفوز الديمقراطية إلا من خلال إثبات أنها يمكن أن توفر فى الواقع نوعية حياة أفضل للناس من الاستبداد».
عزت سعد مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية
التعليقات