عيش السرايا والتحرير - داليا شمس - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 8:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

عيش السرايا والتحرير

نشر فى : الأحد 4 أغسطس 2013 - 10:20 ص | آخر تحديث : الأحد 4 أغسطس 2013 - 10:20 ص

طعم قطعة من الحلوى قد يحملك إلى عالم غير العالم، هذا ما فعله الكاتب الفرنسى مارسيل بروست فى روايته «البحث عن الزمن الضائع» عندما جعل ذكريات البطل تتدافع إلى ذهنه بسبب مذاق قطعة جاتوه... الشىء نفسه قد يتكرر مع حلوى عيش السرايا بالقشطة التى تجعل جيلا بأكمله أو أكثر يستدعون طعم هذا الصنف الذى دأب على تقديمه صاحب مقهى إيزافيتش الشهير... المقهى، الذى كان يحتل ناصية شارع سليمان باشا وحتى نهاية مبنى عمر أفندى مطلا على ميدان التحرير، والذى اختفى من على خريطة المكان، ظل حاضرا فى وجدان من عاصروه وشهدوا أيام عزه فى الفترة من 1957 إلى 1974. طراوة وطلاوة عيش السرايا الذى كان يذوب تحت اللسان وقد اكتسى بالفستق فى تلك الأيام، بعد حفلة سينما بوسط المدينة، خلد عائلة إيزافيتش ذات الأصول الصربية... ولكن خلدتها أيضا قصائد لعبدالرحمن الأبنودى وأمل دنقل اللذين كانا من رواد المقهى الدائمين، فكتب الأبنودى عن نادل إيزافيتش: «عم جمعة جرسون قهوة إيزافيتش الأسمر، أبووش ينش الكلمة الوحشة برة العش، واحد قهوة للأستاذ سيد ويقيد يا سلام ياسى عبد الرحمان».. أما دنقل فقد أرخ للمقهى ولجيل السبعينيات قائلا فى قصيدة «الكعكة الحجرية»: «أيها الواقفون على حافة المذبحة.. أشهروا الأسلحة.. سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة.. والدم انساب فوق الوشاح! المنازل أضرحة، والزنازن أضرحة، والمدى أضرحة، فارفعوا الأسلحة واتبعونى! أنا ندم الغد والبارحة، رايتى: عظمتان وجمجمة»!

••• 

الكعكة الحجرية كانت النصب التذكارى الذى كان يطل عليه «إيزافيتش» والذى تجمع حوله الطلبة بعدما حاصرهم الأمن داخل أسوار الجامعة فى يناير 1971، فتسللوا إلى خارجها...  اندلعت انتفاضة الطلبة إثر خطاب الرئيس السادات الذى برر فيه عجزه عن الوفاء بوعده لجعل عام 1971 «عام الحسم» بسبب اندلاع الحرب الهندية ــ الباكستانية، معللا أن الحليف السوفييتى مشغول بهذه الأخيرة وأن العالم لا يتسع لاندلاع حربين كبيرتين فى آن واحد. وقف أمل دنقل ينادى على الناشطين، وقد كتب قصيدته فى مقهى إيزافيتش، ليشارك بذلك فى كتابة تاريخ جيل غدرت ببعضه الأيديولوجيا وصنع الزمان ببعضه مسوخا بشرية أو أبطالا تراجيديين، على حد قول أحد أبناء هذا الجيل ــ فتحى إمبابى ــ فى «السبعينيون». وتمر الأيام وإذا بهؤلاء الطلاب الذين اعتقلتهم قوات الأمن المركزى فى جامعتى القاهرة وعين شمس، وفضت اعتصاماتهم، يرون أبناءهم وأولاد الأصدقاء والرفاق يجوبون التحرير خلال ثورة 25 يناير، ويقفون أمام الكعكة الحجرية بدورهم، عسى أن يكونوا أوفر حظا وأقل انهزاما... فالأيام دول، الحلو يستدعى المر والعكس صحيح.

•••

مقهى إيزافيتش لم يعد موجودا، ولكن هناك روحا سكنت هذا المكان، روح مثقفى الأربعينيات الحالمين بالعدل والحرية أو مثقفى الستينيات والسبعينيات الحالمين بالديمقراطية، وحتى لو تحول المقهى إلى معرض للسيارات أو إلى فرع تابع لسلسلة مطاعم أمريكية، سيبقى شىء ما عالقا بالأذهان يروى قصة عائلة إيزافيتش الاشتراكية، التى كانت الحكومة المصرية تتحفظ على صاحبها كلما أتى الرئيس تيتو لزيارة القاهرة خوفا على حياته... ربما يكون هذا الشىء مجرد طعم عيش السرايا الذى ذاقه أحدهم يوما ولايزال يشعر بحلاوته فى فمه، أو ربما أيضا طعم ساندوتش من الذين تحدث عنهم لويس عوض فى كتابه «بلوتو لاند»، عندما أهداه «إلى الفتيات الضاربات على الآلة الكاتبة، وإلى آكلات الساندوتشات من إيزافيتش». تضامن مواطنون عاديون مع الطلبة وقتها فكانت تأتى السيارات المحملة بالسندوتشات لتوزيعها على المعتصمين، فى مشهد ألفناه نحن خلال السنتين الماضيتين... فالأيام دول، حلوها يستدعى مرها، والعكس صحيح.

•••

نظل نتنفس هواء التحرير، حتى لو أفسدته أدخنة الشكمانات، وحتى لو لم يعد هناك مكان لإيزافيتش، فلو تواجد يوغسلافيا أبيضا فى الميدان خلال هذه الأيام لربما اُتهم بالعمالة والجاسوسية... لكن تبقى غواية المقهى وأماكن المثقفين والنشطاء حيث تتكون «الشلل» الجديدة الطامحة إلى العدالة والحرية، تماما كسابقيهم منذ الأربعينيات، فوسط المدينة بطابعها الأوروبى، البعيد عن القاهرة الفاطمية، احتفظ بدينميته منذ عام 1940، وظلت الأجيال المتلاحقة من المثقفين والراغبين فى التغيير يتحركون فى حوالى 300 متر، هى محيط ميدان طلعت حرب، سليمان باشا سابقا.

التعليقات