اتفاقية تجارة حرة بين الولايات المتحدة وكينيا - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 7:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

اتفاقية تجارة حرة بين الولايات المتحدة وكينيا

نشر فى : الجمعة 4 سبتمبر 2020 - 11:00 م | آخر تحديث : الجمعة 4 سبتمبر 2020 - 11:00 م

يطرح هذا العنوان تساؤلات عدة تحوم بداءة حول الأسباب التى حدت بهاتين الدولتين إلى مفاوضات حول اتفاقية تجارة حرة، فى وقت أقل ما يمكن وصفه أنه غير موات لأى منهما. وقد نتساءل لماذا اختارت الولايات المتحدة كينيا دون غيرها من الدول الأفريقية لتكون نموذجا لاتفاق تجارة حرة فيما بينهما فى وقت تضم فيه القارة سبعة من أسرع 10 اقتصادات نموًا فى العالم، فضلا عن وجود العديد من دول القارة تربطها علاقات طيبة بالولايات المتحدة. ويبدو أن الإجابة تكمن فيما قامت به كينيا من تحرير اقتصادى واسع النطاق وفقا لما يُعرف بإجماع واشنطن، يتراجع فيه دور الدولة فى النشاط الاقتصادى إلى الحد الأدنى وهو ما يتوافق وفكر إدارة ترامب. نتساءل أيضا عن أهداف كل دولة منهما من جراء هذه المفاوضات والمخاطرة التى تأخذها كينيا على عاتقها دون تنسيق مسبق مع الدول الأفريقية والأهم ما قد يكون لمثل هذه الاتفاقية من وقع على مصر كدولة رائدة فى القارة.

ويجدر التذكير أن العمل بما يُعرف بقانون النمو والفرص فى أفريقيا، الذى أقره الكونجرس الأمريكى فى مايو 2000، مستهدفا إقامة علاقات تجارية تفضيلية بين الولايات المتحدة وأفريقيا جنوب الصحراء، ينتهى العمل به فى غضون سنوات قليلة. وعليه، فإن تدشين الولايات المتحدة مؤخرا مفاوضات مع كينيا حول اتفاقية تجارة حرة إنما هى تمهيد لما قد تستهدفه الولايات المتحدة من جعل هذه الاتفاقية نموذجًا لمحاكاته وفقا لما أدلى به السفير روبرت لايتهايزر ممثل التجارة الأمريكى، فضلا عن وصفه بأن الاتفاقية تعد أهم تطور فى العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا فى العشرين سنة الأخيرة. هذا، ولا يبدو أنه كان هناك إعداد مسبق لهذه المفاوضات، فهى لا تعدو أن تكون نتاج لقاء قمة بين الرئيسين فى فبراير 2020.
وفى حين أن الهدف المعلن للولايات المتحدة هو تحسين الفرص الأمريكية وتنويع تجارة الولايات المتحدة مع أفريقيا ودعم الاستثمار فى كينيا والنفاذ من خلالها إلى الدول غير الساحلية، يذهب الكثيرون إلى التأكيد على أن الدافع الأساسى لهذه المفاوضات هو عدم رغبة الإدارة الأمريكية الوقوف موقف المتفرج للزحف الصينى المتزايد فى أفريقيا، كما أن الإدارة الأمريكية قد تستغل هذه المفاوضات أثناء الحملة الانتخابية كأحد أهم الإنجازات العملية فى القارة الأفريقية. ولا يستبعد أن تكون هذه خطوة محسوبة أيضا من جانب الحكومة الكينية ليس فقط للدفع بريادة كينيا فى شرق أفريقيا والكوميسا ولكن أيضا تأييدا للمرشحة الكينية لرئاسة منظمة التجارة العالمية من بين ثمانية مرشحين منافسين من بينهم المرشح المصرى.
***
وتركز المفاوضات بصفة أساسية إلى النفاذ للسوق الكينية والدول المجاورة، كما تطالب الولايات المتحدة بالتوافق التنظيمى للقواعد والقوانين وتقليل العوائق غير التعريفية مثل المعايير الصحية والمعوقات الفنية وتحرير التجارة فى الخدمات، بما فى ذلك الاتصالات والخدمات المصرفية، والتزام كينيا بعدم فرض ضرائب تمييزية بالداخل. وتحتل التجارة الإلكترونية وتدفقات البيانات عبر الحدود جزءًا يعتد به من المفاوضات، حيث تطالب الولايات المتحدة كينيا بعدم فرض رسوم جمركية على المنتجات الرقمية (مثل الموسيقى والكتب الإلكترونية والفيديو وغيرها من المنتجات). كما تتضمن المفاوضات بنودا عن البيئة وسياسات المنافسة والاستثمار والعمالة والمعالجات التجارية والمشتريات الحكومية وآلية لفض المنازعات، وكلها موضوعات تتفاوض مصر وباقى الدول الأفريقية عليها مرحليا فى إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، ويبقى على عاتق مصر وسائر الدول الأفريقية تدارس الاتفاق بين الولايات المتحدة وكينيا عند إتمامه جيدا وتقييم ما إذا كنا فى وضع يسمح لنا بمحاكاته أم مقاومته ورفضه لما قد يكون له من تأثير سلبى على اتفاقية التجارة الحرة القارية.

ويبدو أن الرئيس كينياتا يستشعر المخاوف الأفريقية إزاء احتمالات إضعاف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، ويسعى فى كل مناسبة إلى تبديدها مشددا على أن اتفاق التجارة بين كينيا والولايات المتحدة سيساعد دول القارة ويسهم فى إنشاء نموذج يهتدى به للتفاوض وأن كينيا لن تتهاون فى التزاماتها إزاء قارتها وكعضو فى الاتحاد الجمركى لجماعة شرق أفريقيا والكوميسا. هذا، وإن مصر حاولت أكثر من مرة الدخول فى مفاوضات اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، غير أن جميعها باءت بالفشل للمبالغة فى المطالب الأمريكية وعدم استعداد الجانب المصرى لها.
***
ولا يخفى على أحد، لا سيما بعد دخول منطقة التجارة الحرة القارية حيز التنفيذ فى 30 مايو 2019، أن أصبحت أفريقيا وجهةً استثمارية مهمة بالنسبة للعديد من الدول والشركات الدولية. ففى مؤتمر طوكيو الدولى حول التنمية الأفريقية فى أغسطس 2019، التزم القطاع الخاص اليابانى باستثمار 20 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. وفى القمة الروسية الأفريقية الأولى فى أكتوبر الماضى، أعلن الكرملين أنه تم التوصل إلى صفقات بقيمة 12,5 مليار دولار. حتى فى الوقت الذى تتصارع فيه أوروبا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، عقد الاتحاد الأوروبى المنتدى التجارى الإفريقى الخامس فى المغرب فى نوفمبر الماضى للدفع بالعلاقات الأوروبية الأفريقية. وفى محاولة لتحفيز الاستثمار، سعت الولايات المتحدة إلى تجديد مشاركتها التجارية فى أفريقيا من خلال إنشاء مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية بقيمة 60 مليار دولار واستراتيجية دبلوماسية تجارية إفريقية أكثر نشاطًا بالإضافة إلى ما تقدمه الولايات المتحدة من مساعدات إلى أفريقيا فى مختلف المجالات التنموية.
هذا، وعلى الرغم من تغيير موعد تنفيذ الاتفاقية إلى ما بعد أول يوليو 2020 بسبب الاضطرابات الناجمة عن جائحة كورونا، فإن الأساسيات مازالت قوية، حيث تقيم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية أكبر منطقة تجارة حرة تضم 54 دولة، أى كل دول القارة، ويبلغ حجم سوقها أكثر من 3,4 تريليون دولار ومن المقدر أن تحقق مكاسب الدخل السنوى لأفريقيا ما يزيد على مليار دولار سنويًا. فمما لا شك فيه أن منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، أتاحت الفرصة لاكتشاف الدول الأفريقية مسارات التنمية الاقتصادية بما يتسق وظروفها الخاصة، وهو ما يستوجب الحفاظ على هذا التوجه القائم على الاستقلالية والاعتماد على الذات وإنعاشهما.
***
وجاء من بين أهداف منطقة التجارة الحرة القارية ما تنشده من تشجيع سلاسل القيمة الإقليمية وبناء القدرات التصنيعية لدولها، بعد ما شهدته من إخفاق فى الاندماج فى سلاسل القيمة العالمية والاكتفاء طويلا بتوريد المواد الخام للاقتصاد العالمى. ومن المتوقع أن تساهم جائحة كورونا إيجابا فى زيادة الاعتماد على سلاسل الإنتاج والقيمة الإقليمية، لا سيما بعد تراجع حركة التجارة وانكماش الطلب فى الأسواق الأوروبية، وما كان لذلك من تأثير سلبى مضاعف على القارة الأفريقية. والتكامل الناجح سيجعل القارة الأفريقية المستفيد الأول من تنميتها الصناعية وعلى صانعى السياسات الآن تنفيذ السياسات التى تفيد الإنتاج المحلى وتوفر فرصًا مغرية للاستثمار الأجنبى.
وفى ضوء هذا التوجه، يتعين على الحكومات والصناعات فى أفريقيا النظر فى التحول السريع من التركيز على سلاسل القيمة العالمية إلى سلاسل القيمة الإقليمية وتعزيز المكاسب من عمليات التكامل القارى وما بين التجمعات الإقليمية التجارية داخل القارة. لقد حان الوقت أن تكون منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية عامل التمكين الكبير لهذا التحول ولا يجب إضعافها من الداخل أو الانصياع نحو تفتيتها. وهذا لا يعنى على الإطلاق أننا نعارض من قريب أو بعيد اتفاق التجارة الحرة بين كينيا والولايات المتحدة، إنما نناشد كينيا إبان مفاوضاتها مع الولايات المتحدة أن تكون عينها على ما أنجزته منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والأمر كذلك بالنسبة لأى دولة أفريقية أو تجمع أفريقى إقليمى. فإن الأولوية المطلقة يجب أن تظل تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة الإقليمية على أكمل وجه.

ماجدة شاهين مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية الدولية (سابقاً)
التعليقات