الغضب.. واستدعاء الجيوش! - خالد سيد أحمد - بوابة الشروق
الجمعة 3 يوليه 2020 4:12 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الغضب.. واستدعاء الجيوش!

نشر فى : الجمعة 5 يونيو 2020 - 7:00 م | آخر تحديث : الجمعة 5 يونيو 2020 - 7:00 م

ظن البعض حتى وقت قريب، أن استدعاء الجيوش للتدخل فى المشهد السياسى الداخلى، هو حق حصرى للعديد من دول العالم الثالث، إلا أن هذه الفكرة بدأت تتسرب إلى دول العالم الأول المتقدم، والراسخة فى التجارب والممارسة الديمقراطية.
فمع تصاعد حدة الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، وانتشارها فى جميع أنحاء الولايات المتحدة، بعد مقتل المواطن الأمريكى من أصول إفريقية جورج فلويد، جراء عملية القبض عليه بطريقة خشنة من قبل عناصر شرطة فى مدينة منيابوليس يوم 25 مايو الماضى، لم يجد الرئيس دونالد ترامب حلا لاستعادة الهدوء المفقود، سوى التهديد بإرسال قوات الجيش لإنهاء الاضطرابات. وقال ترامب إنه سيرسل الجيش «إذا فشلت الولايات والمدن فى حل المشكلة».
لكن ترامب تراجع عن هذه الفكرة، بعد تأكيد وزير الدفاع الأمريكى، مارك إسبر، أنه لا يدعم إشراك القوات العسكرية فى التعامل مع موجة الاحتجاجات التى تعم الولايات المتحدة.
وقال إسبر، فى مؤتمر صحفى الأربعاء الماضى، إنه لا يدعم تطبيق «قانون الانتفاضة» الذى تم تبنيه عام 1807 ويسمح للرئيس الأمريكى بنشر قوات عسكرية داخل البلاد لإخماد أعمال الشغب والاضطرابات، معتبرا أن إشراك الجيش يمثل خيارا أخيرا.
صوت آخر عبّر عن موقف الجيش الأمريكى الرافض للزج به فى الشأن الداخلى، جاء على لسان وزير الدفاع الأمريكى السابق جيم ماتيس، الذى اتهم ترامب بالسعى إلى «تقسيم» الولايات المتّحدة.
وقال ماتيس، فى تصريح نشرته مجلة «ذى أتلانتيك» على موقعها الإلكترونى إن«دونالد ترامب هو أول رئيس فى حياتى لا يحاول توحيد الأمريكيين، بل إنه حتى لا يدعى بأنه يحاول فعل ذلك»‬.
هذا الرفض الواضح من قبل وزارة الدفاع الأمريكية، لرغبة ترامب فى استدعاء الجيش لقمع الغضب والاحتجاجات التى تتهمه شخصيا بتغذية نيران التعصب والكراهية والعنصرية منذ توليه الرئاسة قبل ثلاث سنوات، يؤشر إلى أن «البنتاجون» يعارض التورط فى الشأن الداخلى الأمريكى، أو استدراجه إلى تعقيدات المشهد السياسى، خصوصا مع اقتراب موسم الانتخابات الرئاسية.
كذلك تؤمن وزارة الدفاع الأمريكية أن الاحتجاجات والتظاهرات، هى حق مشروع للمواطنين، وقد كفلها الدستور والقانون، طالما كانت وسيلة للتعبير السلمى عن الغضب من سياسات النظام القائم، شرط أن تبقى بعيدة عن أعمال الفوضى والتخريب والعنف.
يضاف إلى ذلك أن الجيش الأمريكى يعتقد أن إدارة ترامب لم تفعل كل ما فى وسعها لإيجاد حل سياسى لهذه الأزمة، وإنما أرادت اللجوء إلى الحل الأسهل بتوجيه بنادق وقوة الجيش الهائلة إلى المحتجين، من أجل إخماد نيران الاعتراض على العنصرية والكراهية وعدم المساواة داخل المجتمع.
ولم يكن البنتاجون وحده الرافض للرغبة الرئاسية، بل أيضا بعض حكام الولايات يقولون إن الحكومة لا تملك سلطة إرسال القوات إلى أى مدينة بدون إذن من سلطات الولايات.
ووفقا للكثير من التقارير الإعلامية، فان آلاف الجنود من الحرس الوطنى، القوة الاحتياطية للجيش الأمريكى، ينتشرون فى عدة مدن لاستعادة الهدوء، لكن انتشارها جاء بطلب من المدن أو الولايات نفسها.
وبعيدا عن الجدل القانونى حول حق الرئيس الأمريكى فى استخدام الجيش فى الظروف الحالية دون طلب موافقة حكام الولايات، فإن الجدل الذى أثارته رغبة ترامب باستخدام الجيش ضد المحتجين وتراجعه عنها بعد رفض البنتاجون لها، يعكس إلى حد كبير قوة ونضج التجربة الديمقراطية الأمريكية، ويعطى رسالة واضحة لحكومات العالم أجمع، مفادها عدم اللجوء إلى استخدام قواتها المسلحة فى إخماد احتجاجات شعوبها، طالما حافظت على مبدأ السلمية والبعد عن العنف والتخريب للممتلكات العامة والخاصة، وضرورة التوصل إلى حلول سياسية للأزمات والمشاكل التى تطل برأسها بين وقت وآخر.. فحضور السياسة والحوار والنقاش، هو دليل على نضج القيادة ووعيها، والحل الأمثل لاستيعاب المعارضين لها.

التعليقات