رسالة من لبنان.. كانت شخصية - جميل مطر - بوابة الشروق
السبت 23 أكتوبر 2021 1:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

رسالة من لبنان.. كانت شخصية

نشر فى : الثلاثاء 7 سبتمبر 2021 - 8:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 سبتمبر 2021 - 8:50 م
كتبت ودموعها تسبق كلماتها لتبلل السطور فيحتار الحرف أين يقف. كيف يقف وقد خرج بسبب الغضب والقهر من فمها مترنحا. وصلت الرسالة، إن صح تسميتها رسالة. حروف فى كلمات كثيرة تدخلت بتأثير الدموع فى كلمات أخرى فتداخلت كل الكلمات، حذفت الدموع حروفا ورسمت أشكالا بعضها قاتم وبعض آخر باهت، فأضافت إلى الرسالة غموضا فوق غموض وحزنا فوق حزن. تدخلت بدورى. فصلت حروفا عن حروف وأضفت حروفا إلى كلمات. محوت هياكل حبر كللت بالسواد أركانا وفضاءات. تركت الرسالة مفتوحة تحت ضوء مصباح مكتبى وعدت إليها بعد ساعة عازما على فك الغموض ومصرا على معرفة ما كان يدور فى عقل أو لعله قلب كاتبة الرسالة التى هى صاحبتى منذ أيام زمان، أى منذ بعيد.
***
كتبت فى مطلع الرسالة تقول: «أعرف كم كنت تحبنى. لن نبكى الآن على حليب مسكوب. كنت شابة صغيرة أنثر عطرى وأنا أمشى ويمشى خلفى ومن حولى رجال من كل الأعمار. كلهم فى محراب حبى كانوا يراهقون، العجوز قبل الشاب. يأتون من مشارق العرب ومغاربهم تسبقهم أحلامهم. تألقت فى كل حلم وأبدعت. هم أيضا تألقوا. لم أقابل واحدا غير خلاق. حتى أنت يا صاحبى كنت تبتكر وأنت الوقور والمتزن وحامل كل الفضائل. كل واحد منكم مس فى أحاسيسى شيئا لم يمسه آخر. قالوا عنى هذه أعجوبة زماننا وزمان غيرنا. تذكر ولا شك. كنت قريبا إلى قلبى. أطمئن فى وجودك وأناديك فى غيابك. أعترف لك الآن أننى كنت أنفعل بالغضب حين تطنب فى النصائح. أشفقت على حبيبتك من الغرور، فالغرور هدام كما كنت تقول. عاتبتنى كثيرا عتاب المحبين وتحملت فأنت الأغلى. أظن أنك كنت تعرف أن من العتاب ما يثير المرأة ومنه ما يبرد لهيبها. أنا بالغت فى شططى وأنت بالغت فى خوفك وعطفك. خفت من تكالب الأقوام حولى، هذا يتمسح فى أطراف ثوبى والآخر يمسح على شعرى وثالث يتعبدعن بعد فى ثنايا تضاريسى ورابع يقضى نهاره محملقا فى وجهى كرجل الهند الذى حكيت لى عنه يقضى نهاره محملقا فى شمس الهند الحارقة لا يغمض له جفن ولا يأكل ولا ينام إلا عندما تغيب الشمس. رجل الهند كان كما تروى فى حكايتك يعبد الشمس، رجل يعشق لهيبها ولا تلسعه نارها. وتريدنى ألا أغتر!. أنت وغيرك أسقيتمونى من هذا الكلام ما أسكرنى، وعندما طغت السكرة وتمكنت منى فتصرفت كما يتصرف السكارى عدتم تلومون وتغضبون وتعاتبون».
***
جاء أيضا فى الرسالة المبللة كلماتها بدموع الكاتبة «كثيرا ما همست لك وأنت فى حضنى خذ حذرك منى فأنا صغيرة لا أفكر فى العواقب. لم أصدق وقتها أن الآخرين يكذبون أو يبالغون أو ينافقون. اعتقدت على الدوام أنكم فعلا وجميعا تحبوننى، لا يفرق أحدكم عن الآخر سوى درجة هذا الحب. اعتقدت أيضا أن الحب عندكم نوع واحد. كنت دائما تحاول إقناعى بأن حبك لى من نوع مختلف. سايرتك طويلا. عشت جل عمرى مقتنعة بأن الرجال، كل الرجال، مسيرون وليسوا مخيرين. يسيرهم نوع بعينه من الحب. النساء يختلفن. النساء كما أعرف عن نفسى وعن غيرى وأعرف منك أنت، أعرف أنهن فى غالبيتهن الساحقة مخيرات. أدركن منذ البداية أن الحب كما رسمنه وتصورنه شرط لازم فإذا لم يأت به الرجل أتينا به نحن النساء، أو تخيلناه وتمنيناه ونتمسك بوجوده طرفا ثالثا فى علاقتنا بكم.
***
«عزيزى، أنت أول من عرف أننى لم أخدع أحدا. تركت جمالى الطبيعى يسبقنى إليكم. عرفتم كم كنت كريمة معكم. الآن وبعد هذه السنين العديدة التى قضيتموها فى عشى الأنيق والمتواضع يحق لى أن أسأل لماذا تخليتم عنى وقد صرت أعتمد على كلامكم. لا أسمعكم تغردون كما كنتم تفعلون. لا أراكم تهرولون ناحيتى، أراكم تهجروننى ربما إلى غيرى الأصغر سنا. أدرتم لى ظهوركم. هل قصرت معكم. عشت عمرا بعض قوتى وملبسى وشرابى من عائد ما تكرم به خالقى والباقى من إنجازاتى وانتصاراتى فى معاركى العاطفية التى دارت معكم. نعم كبرت عمرا ولكن لم أتغير. أنتم من تغير وعندى من البراهين ما يثبت قولى. أنتم تغيرتم وأنا على حالى التى عرفتموها يوم تلاقينا أول مرة. لا أبالغ ولكن أتمنى.
***
كان يجب أن أرد إكراما لأيام تبقى فى القلب لا تنسى. قلت لها «تذكرين مكان أول لقاء. هناك أقمنا للحب تماثيل. خدعتنا التماثيل. تحولت إلى أصنام فى انتظار عبادها وهم الذين صنعوها. ذهبنا منذ أيام إلى المكان فقابلنا الخفير. قال كان هنا مكان وغاب بعد أن جمع أشياءه ومنها الحب والدموع ورسوم وكلمات على جذوع الشجر. قال أيضا، وأقصد الخفير، أنه سأل فجاءت إجابة لم تشف غليله، قيل له لم يعد المكان يحتاج إلى الحب أو جاهزا ليرعى عشق المحبين. جفت شرايينه وأشجاره وهربت حيواناته الأليفة ونضبت الطاقة وانطفأت الأضواء وتوقفت الحركة. الحمراء لم تعد حمرا والجميزة خلت من روادها والشاطئ اكتسى بنفايات من كل صوب أتت وزرقة البحر غابت مع ما غاب ومن غاب.
قلت لها أيضا «أعذرك يا جميلة. مكاننا هاجر مع آلاف المهاجرين. خلف وراءه عددا من أشباه الجنرالات وعباقرة المال والاقتصاد وعددا آخر من جهابذة السياسة والتجارة والدين والجريمة، كل هؤلاء اجتمعوا عليك فى ليلة طويلة، ليلة حالكة. اغتصبوك يا صغيرتى فحملت وحوشا أراها وترينها تكبر أمام أعيننا. أخاف عليك منها. وحوش مثل رجال اغتصبوك نراها تزحف نحو الأم التى ولدتها، تهجم عليها لتنهش لحمها وتشرب من دمها. أقول لها، للأم التعيسة، طفلتنا المنكوبة فى رجالها وأبنائها، اذهبى بعيدا، تطهرى ثم عودى إلينا. بالتأكيد سأكون فى انتظارك».
جميل مطر كاتب ومحلل سياسي