التحولات الفكرية فى عالم مضطرب - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 6:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

التحولات الفكرية فى عالم مضطرب

نشر فى : الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 7 نوفمبر 2018 - 11:30 م

نحن فى عالم لا يتصف فقط بتغيرات علمية وتكنولوجية هائلة، وإنما يتصف أيضا بتحولات جذرية فكرية وقيمية وأخلاقية وسلوكية خطرة تقارب الجنون.
ففى عالم الاقتصاد ما عاد الإنسان أمام مدرستين متقابلتين، الرأسمالية والاشتراكية، ليختار أحدهما، وإنما أصبح أمام مدرسة شبه وحيدة ومهيمنة على العالم كلُه. إنها الرأسمالية النيوليبرالية العولمية المتوحًّشة، القائمة أساسا على المضاربات والتلاعبات المالية على حساب الاقتصاد الانتاجى من جهة، وعلى الحرية المطلقة للأسواق لكى تضبط إيقاع الحياة الإقتصادية من جهة أخرى، الممجُّدة للاستهلاك الفردى والجمعى المادى والمعنوى النًّهم حتى ولو أدًّى إلى تدمير البئية، والداعية إلى فردية أنانية غير معنيًّة بما حولها من مجتمعات وبشر، المصرَّة على خصخصة كل الخدمات العامة، وعلى الأخص الاجتماعية منها، وذلك من أجل تقليص أدوار ومسئوليات وسلطات الدولة فى الحياة العامة إلى أقصى الحدود.

نحن أمام انقلاب تراجعى للمشهد الاقتصادى
ما عادت المجتمعات هى التى تختار وتكافح وتفرض نظامها الاقتصادى، وإنما الذى يفعل كل ذلك مجموعة صغيرة من أصحاب المال وأزلامهم من أصحاب السلطة السياسية. اختفت النقاشات وتقلَّصت الخيارات وقلَّ عدد المشاركين.
وفى حقل السياسة تدمّرت أيديولوجيات، متكاملة ومتناغمة فى مكوناتها، لتحلّ محلّها أفكار سياسية متناثرة تتعامل مع جزئيات المشهد السياسى، مكانا وزمانا وموضوعا، على حساب الكليات الإنسانية والشمول البشرى.
إن الفكر العولمى السياسى، المرتبط أشد الارتباط بالفكر الاقتصادى النيوليبرالى العولمى، يقبل التعايش مع ممارسة الديمقراطية الليبرالية، بشرط أن تكون فى صورة أحزاب مائعة، انتخابات دورية تعيد إنتاج نفس نتائجها، وبرلمانات منسجمة مع سلطة دولة قوية متسلّطة، وبشرط أن لا شأن لمثل هكذا ديمقراطية بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، وبشرط أن يختفى إلى الأبد كل شعار يسارى جماهيرى، وأن تكون هناك ديمقراطية بدون ديمقراطيين مناضلين فاعلين. إنها ديمقراطية بلا ضمير ولا روح، تقتات على جماهيرية غوغائية يمينية متطرفة منغلقة فى الفكر والأفق والمدى الإنسانى. وما ساعد على تقبّل إنسان العصر تلك التحولات ووقوفه عاجزا أمامها إحاطته المتنامية المتشابكة بعوالم افتراضية تحيله وتحيل مجتمعاته إلى كيانات افتراضية خارج الهنا المكانى وخارج اللحظة الزمانية.
إنها عوالم تختلط فيها الحقائق مع الأكاذيب ليتقبل الإنسان الأكاذيب وهو يحسبها حقائق بسبب السيل الهائل من المعلومات المتناقضة والتاثير النفسى والذهنى لشبكات التواصل الاجتماعى.
فى هكذا عالم تواصلى غير منضبط تكثر أنصاف الحقائق وتزوّر التعابير. ألم يصبح الوطن العربى شرقا أوسطيا، والصراع العربى الصهيونى خلافا فلسطينيا – إسرائيليا، والاحتجاجات المشروعة اضطرابات، وتدمير باص مدرسى وقتل من فيه من أطفال خطأ فنيا، واكتساح بلد وتدمير عمرانه وتشريد أهله تحالفا من أجل الديمقراطية ومناصرة الشعوب، وبناء مجمعات سكنية معزولة عن محيطها الجغرافى والاجتماعى والإنسانى وغارقة فى رفاهية عبثية تخطيطا مدينيا إبداعيا، وإفلاس أصحاب المتاجر الصغيرة بسبب هيمنة المجمعات التجارية الكبيرة انفتاحا اقتصاديا وتشجيعا للاستثمار وتسهيلا لحياة المشترين، وانتخاب رئيس دولة نرجسى بهلوانى قائدا مخلّصا؟
***
نحن فى عالم تموت فيه التعابير وتتشوّة معانى الكلمات وتصبح الشعارات عبارة عن لوحات زينة قابلة لأن تنطق بما ليس فيها حسب الأهواء والمصالح والتخيلات المريضة.
والنتيجة هى الصبر المفجع الذى يتميز به عالمنا المعاصر لتقبل الفساد وخيانة الأمانة والتلاعب بالصالح العام فى مؤسسات الحكم والتشريع والقضاء والاقتصاد والدين والفنون والإعلام. فلا عجب أن نصحوا يوميا على أخبار الفضائح التى طالت بشرا كنا نعتقد أنهم حماة العفة ومؤسسات كنا نعتقد أنها حامية للأخلاق والقيم والسمو الروحى.
أخطر ما فى الأمر أن العلوم والتكنولوجيا تتضاعف وتتحسن بصورة مذهلة، بينما يدخل الفكر والقيم الإنسانية والممارسات الأخلاقية السوية فى عوالم الغموض والتشكيك والتزييف. وبالرغم من وجود محاولات جادة تحليلية ونقدية لكل ما يجرى فى عالمنا المعاصر، فإنها تواجه بمئات مراكز الأبحاث وألوف أصحاب القلم والكلمة الذين يقومون بعمليات التبرير والمدح وخلط الأوراق والمفاهيم لإبقاء الإنسان فى دوامة عدم اليقين وعدم الاستقرار على حال متوازن.
أسوأ ما فى هذا المشهد غير المستقر على حال، وغير المالك لبوصلة تضبط مساره وتطوره، هو غياب برنامج تعليمى وتثقيفى متماسك لتهيئة إنسان ملمٍّ بطبيعة ما يحدث وقادر على مواجهة ما يحدث. بل العكس هو الصحيح، إذ إن مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام تساهم هى الأخرى فى إنتاج إنسان مستسلم برضى وغفلة لما يحدث من حوله ولما يقدّم له من أفكار وقيم يؤديان إلى هبوط مستمر فى سمو وتوازن ونقاء إنسانيته، وإلى عجز فى إرادته، وإلى قبول مفجع لقدره البائس.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات