ملاذات التواصل الاقتصادية - مدحت نافع - بوابة الشروق
السبت 22 يونيو 2024 10:13 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

ملاذات التواصل الاقتصادية

نشر فى : الإثنين 9 يناير 2023 - 7:45 م | آخر تحديث : الإثنين 9 يناير 2023 - 7:45 م
كلما اشتدت الضائقة بالناس، وتلاحقت الأنباء والقرارات التى يقصد بها السيطرة على تداعيات الأزمات الاقتصادية، كثر الضجيج والإفتاء بغير علم. وتهافت الشعب على صفحات وقنوات التواصل الاجتماعى، عساهم يتلقفون معلومات مفيدة عن مصائر مدخراتهم ووظائفهم، ومدى تأثّر مراكزهم المالية بالأزمات والقرارات الاقتصادية المختلفة.
تلك الملاذات الإعلامية الجديدة هى سمة من سمات عصر المعلومات، الذى تتشابك فيه المصادر وتكثر بصورة مربكة، كى تؤتى نفس الأثر السلبى لعدم توافر المعلومات. هنا يكون على المتلقّى أن يحمل فى رأسه أداة افتراضية للتنقية والمفاضلة بين عدد هائل من البيانات والمعلومات، ولا قبل لأحد بهذا ولو كان من عباقرة الزمان، فتظهر وظيفة جديدة لكيانات وأشخاص، ترشّح للمتلقى مصادر المعرفة على سبيل الإعلان والدعاية أحيانا، وتزداد أهمية الإشارات التى يتلقاها الناس من جهات متباينة، لها رصيد من المصداقية، فتصبح تلك الإشارات دليلا على جودة مصدر للمعلومة، ورداءة مصدر آخر.
• • •
من الإشارات التى يعتمدها روّاد مواقع التواصل الاجتماعى على اختلاف مشاربهم، كثرة المتابعين. إذا كانت صفحة فلان تحمل رقما كبيرا من المتابعين، فتلك إشارة على جودة الصفحة وسلامة محتواها، ومن ثم، يزداد عدد المتابعين بفعل تلك الإشارة. الأزمة تكمن فى أن كثيرا من الصفحات تشترى المتابعين بطرق مختلفة متاحة للكافة عبر محترفى صناعة الفقاعات والعبث بمواقع التواصل. ومنهم من يقوم بخلق كتائب إلكترونية أو «ألتراس» متابعين (على طريقة طوائف مشجعى أندية كرة القدم) وهؤلاء يشكلون نواة جيدة للدعاية وإطلاق إشارات تجلب عددا أكبر من المتابعين (الفعليين) الذين أعيتهم الحيل بحثا عن المعلومة الرشيدة، وهداهم محرّك البحث ونصائح المعارف إلى تلك الصفحة.
بعد ذلك يتحوّل صاحب الصفحة من ناشر لمحتوى أو صانع محتوى، إلى ناشر للفزع وصانع لسلوك اقتصادى مدمّر، قد يتسبب فى أزمات اقتصادية لم تكن لتحدث لولا نصائح صاحب الصفحة!. يقول صاحب الصفحة مثلا: عليكم بشراء الدولار والتخلّص من الجنيه فى أسرع وقت، فتنشأ أزمة فى سعر صرف العملة المحلية، وأزمة تضخم جامح بفعل شح العملة الصعبة، التى تطلب استيراد كثير من السلع والخدمات. وربما أوصى صاحب الصفحة متابعيه بأن يهرعوا إلى البنوك لسحب مدخراتهم، فينشأ كابوس يخشاه كل اقتصاد، ويطلق عليه الاندفاع إلى المصارف Bank Run بحيث تفلس البنوك نتيجة عدم قدرة الاحتياطى النقدى الذى تحتفظ به (وهو نسبة من ودائع المودعين) على الوفاء بطلبات سحب السيولة.
أما إذا أوصى صاحب الصفحة روّادها بتخزين الأموال فى العقارات، وربما كانت له حصة من مكاسب المطوّرين نتيجة هذا النوع من التوجيه المقصود، فقد تنشأ فقاعة عقارية، إذ ترتفع أسعار العقارات بشكل كبير نتيجة زيادة الطلب عليها لغرض غير الغرض الذى أنشأت من أجله! فالعقارات لا تبنى بغرض تخزين القيمة وخلق عائد على الادخار، وإنما نبنى بغرض الاستخدام؛ فيكون المطوّر مستثمرا والمشترى مستهلكا مقيما أو مؤجرا للعقار. أما أن تتحوّل الفوائض التى يحققها الشعب إلى كتل أسمنتية مغلقة الأبواب، فإن الاقتصاد لا يستفيد منها فى شىء، اللهم إلا ما استخدم من عمالة وعناصر إنتاج مختلفة خلال فترة إنشاء العقار فقط، ثم تموت القيمة التى يخلقها العقار فى المجتمع، بعدم مساهمته فى حل أزمة الإسكان، أو عدم استخدامه فى النشاط الاقتصادى بأية صورة، كأن تستأجره الشركات وتستغله فى نشاط إنتاجى أو تجارى من أى نوع.
تلك الصفحات ومن يمارسون التأثير المجتمعى من خلالها أو ما يطلق عليهم «المؤثرون» influencers لا يتوقف حجم الضرر الذى يخلقونه فى المجتمع عند هذا الحد، بل يمتد عبر آلية تشبه فى عملها آلية المضاعف multiplier فى الاقتصاد. فكل متابع للصفحة يؤثّر فى مجاله الاجتماعى بأفكار مستقاة من تلك الصفحة، وإذا كان من قدامى المتابعين، فإنه يحظى بأثر كبير نسبيا، ومصداقية أكبر فى نقل المعلومات عن صاحب الصفحة والتبشير بمحتوياتها.
• • •
عندما يقصدنى المعارف والمتابعون كى أوصيهم فى شأن أموالهم ومدخراتهم الخاصة، فلا أنحاز أبدا إلا لما يصلح شأن الاقتصاد كله ويقيم موازينه بالقسط، ومنه ينصلح حال الأفراد والمؤسسات بغير استثناء. فلا أنصح أبدا بكنز الأموال فى أصول ميتة أو سبائك من الذهب، ولا أنصح بتخزين السلع واحتكارها والتسبب فى ندرة المعروض منها، ولا أنصح بالدولرة ولا الهرولة لسحب الودائع من البنوك... حتى وإن تصوّر البعض أن تلك الوصايا أو بعضها يمكن أن يدر عليه المال الوفير فى الأجل القصير. ذلك لأن كل ما تكنزه لفائدة مستقبلية مردود إليك عواقبه عبر الكثير من القنوات. فإذا كنزت أموالك فى الذهب وساهمت فى عدم تدفق السيولة فى الاقتصاد بما يؤثر سلبا على الاستثمار، ارتد إليك ذلك مضاعفا فى صورة غلاء وكساد، ودفعت ثمنه من وظيفتك التى تم تسريحك منها، أو مصروف بيتك الذى ارتفع نتيجة لاختفاء سلع كانت تنتج محليا، ولم تعد المصانع تنتجها نتيجة لاختفاء السيولة التى كنت أنت أحد ثقوبها السوداء.
الاقتصاد الذى بدا أخيرا وكأنه مهنة من لا مهنة له، هو علم محكم، ليس كعلوم الكيمياء والفيزياء اليقينية، لكنه علم اجتماعى إنسانى، وتلك الخاصية تجعله أصعب فى الممارسة من العلوم الطبيعية. ذلك لأن الاقتصاديين يتفاوتون فى المهارة بكثرة الاطلاع والتجربة والممارسة فى شتى المجالات والأنشطة. والاقتصاد علم كسائر العلوم، تحكمه الكثير من الضوابط والأصول، وتقيمه على توازنات، يعد الإخلال بها توطئة لـ«خراب العمران» على حد وصف ابن خلدون فى مقدمته لأحوال بعض الأمم والحضارات.
المقال ليس دعوة لشيطنة مواقع التواصل الاجتماعى وقنواته بكل تأكيد، وليس تنزيها لصاحبه من الوقوع فى مغبة أخطاء أصحاب الصفحات، التواقين إلى الاستكثار من المتابعين وخلق ما يعرف بالاتجاه العام أو «الترند» بأى ثمن. بل هو محاولة لإثارة الجدل والنقاش العام، للوقوف على مخاطر صناعة المحتوى الإلكترونى، فى مجالات تبدو متاحة للعامة للإفتاء بغير هدى، بينما تقع أضرارها بصورة أكثر تدميرا من الإفتاء فى مجالات طبية وهندسية. إذ إنها تساهم فى تدمير اقتصادات أمم، وتتسبب فى انتشار الفقر والغلاء واختفاء السلع من الأسواق، وما يصاحبهما من أمراض اجتماعية تصل عواقبها إلى حد إزهاق الأرواح، بل إن هذا النوع من الخراب يمكن أن يتسبب فى إشعال الفتن والحروب.
البشر مجبولون على انحيازات وانحرافات سلوكية ومعرفية، منها ما يعرف بسلوك القطيع، وفيه يسير الناس خلف العدد الكبير الذى يمارس سلوكا اقتصاديا ليس بالضرورة صائبا أو رشيدا. فإذا رأيت الناس يكنزون الذهب والفضة، فمن الراجح أن تفعل مثلهم دون أن تعرف السبب. وإذا رأيتهم يصطفون أمام أبواب البنوك لسحب مدخراتهم، فلابد أنك ستفعل مثلهم، حتى وإن كانت المحصّلة النهائية هى خسارة الجميع لأموالهم.
شركات الدعاية والإعلان، وصنّاع المحتوى المعلوماتى فى كل مجال، يدرسون تلك الانحيازات السلوكية والمعرفية، ويعملون على تصميم محتواهم لجذب أكبر عدد من المستهلكين. فليس أقل من الانتباه إلى عدم استهلاك أى محتوى اقتصادى، من شأنه أن يتسبب فى تدمير الاقتصاد الوطنى، علما بأننا جميعا لا نملك سوى وطن واحد، نفديه بأرواحنا فى الأناشيد الوطنية، وقليل منا من يفديه بماله متى تعارضت المصلحة الشخصية مع المصلحة العامة ولو فى لقطة عابرة سرعان ما تمر.
مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات