الأربعاء 22 مايو 2019 11:16 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

عن الجزائر وحربها الجديدة ضد الديكتاتورية..الشعب فى الشارع حتى لا يتكرر الخطأ!

نشر فى : الثلاثاء 9 أبريل 2019 - 10:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 9 أبريل 2019 - 10:50 م

بات المواطن العربى يخاف من الفرح، كلما تبدى وكأن قضيته الوطنية أو القومية تقترب من إحراز نصر على الديكتاتورية والتخلف وتغييبه عن القرار، يفاجأ بانعطافه فى تطور الأحداث تعيده إلى نقطة الصفر أو ما دونها... ثم يكتشف أن بعض «قيادات العمل السياسى» فى الداخل قد «باعته» للخارج، تحقيقا لمنافعها. على حساب مصلحة الوطن وأهله..
ولقد عاش هذا المواطن أياما رائعة من الفرح التاريخى مع انتفاضة تونس المجيدة مع البوعزيزى التى أسقطت المتسلق إلى السلطة خلال غيبوبة الرئيس الأبدى الحبيب بورقيبة الجنرال بن على وزوجته ناهبة القصور وجامعة اللآلئ والجواهر.
ومع أن هذه الانتفاضة لم تحقق كل ما كان يتمناه الشعب التونسى نتيجة الصراع بين البورقيبيين والإسلاميين والوطنيين مع العروبيين من دعاة التغيير إلا أنها فتحت الباب أمام رياح التغيير بعد عهد من التجمد فى ظل الشيخوخة التى حكمت لمدة تزيد على ثلاثين سنة.
.. ثم بلغت أفراح المواطنين العرب فى مصر وسائر أنحاء الوطن العربى ذروتها مع «انتفاضة يناير» 2011 التى بشرت بعصر جديد ليس لمصر وحدها بل للعرب فى مختلف ديارهم، بعد دهر من اليأس والغرق فى ظلام الديكتاتورية و«الرئيس الخالد» و«الرئيس إلى الأبد»، وغيرها من الشعارات المحقرة للشعب إلى حد إلغاء كلمته ورأيه فى من يحكم بلاده، واعتباره مجرد رعية عليه أن يسمع ويطيع وإلا...
غير أن هذه الانتفاضة التى بلا رأس سرعان ما تاهت عن هدفها، واخترقها الإخوان المسلمون وجاء الداعية القرضاوى من قطر ليركب الموجة، فتفرقت الصفوف، وفاز الإخوان برئاسة الدولة فى انتخابات تحكم فيها «التنظيم» فأتت بمرسى رئيسا، بينما عاد الشعب إلى التفرق أيدى سبأ.. حتى أسقط الشعب النظام الجديد بمساعدة الجيش.
***
ها هى الثورة الشعبية فى الجزائر تنجز، بملايينها التى لم تغادر الشارع منذ حوالى الشهر، الهدف الأسمى من حركتها المباركة، فيضطر الرئيس الأبدى عبدالعزيز بوتفليقة، إلى الاستقالة، أخيرا!.. تمهيدا لانتخابات رئاسية جديدة، مع سيادة التخوف من أن تكون هذه الخطوة مقدمة لاستمرار الجيش فى فرض سيطرته على «العهد الجديد» الذى لن يكون، فى هذه الحالة، إلا امتدادا للعهد القديم.
ذلك أن الجيش فى الجزائر، كما فى سائر الأقطار العربية، استسهل القفز إلى رأس السلطة منذ العام 1948، وكرد فعلى أولى على نكبة العرب فى فلسطين، واتهام الطبقة السياسية عموما بالفساد، بل بالخيانة الصريحة، وبيع فلسطين المقدسة إلى الحركة الصهيونية، معززة بالدعم الدولى المفتوح، بدليل أن الاتحاد السوفيتى قد سبق الولايات المتحدة الأمريكية (وبريطانيا التى كانت منتدبة على فلسطين) إلى الاعتراف «بدولة إسرائيل»، فور إعلان قيامها فى 15 مايو 1948.
كان الانقلاب الأول فى سوريا بقيادة «الزعيم حسنى الزعيم» الذى ارتدى ثياب الماريشال فورا.. وستكشف الحقائق، فيما بعد، أن بريطانيا كانت المهندس الرئيسى لهذا الانقلاب وأن شركة نفط العراق ــ I.P.C – البريطانية كانت خلفه، وأن السبب كان فى رغبتها نقل النفط العراقى إلى شاطئ المتوسط، وقد اختارت أن تكون المصفاة فى «الدعتور»، على بعد أميال قليلة من طرابلس، حيث تمت إقامة محطة التكرير والنقل إلى مختلف جهات العالم.
ولسوف تتوالى الانقلابات العسكرية فى سوريا، كرد فعل بائس على الهزيمة العربية فى فلسطين، وسيتعاقب على قيادة البلاد عدد من العقداء الذين سيحاولون إعادة سوريا إلى عروبتها...
وبعد ثورة 23 يوليو 1952 فى مصر، بقيادة جمال عبدالناصر، ثم العدوان الثلاثى على مصر فى خريف 1956، والذى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا مع العدو الإسرائيلى فى الهجوم على مصر، بذريعة الاعتراض على تأميم قناة السويس، وقفت سوريا مع جماهير الأمة العربية إلى جانب مصر، فى صد العدوان..
كانت الثورة الشعبية العظيمة قد تفجرت فى الجزائر ضد الاحتلال الاستيطانى الفرنسى الذى حاول إلغاء الهوية الوطنية لشعب الجزائر الذى اندفع فى مقاومة أسطورية كلفته أكثر من مليون شهيد، قبل أن تضطر سلطات الاحتلال إلى مباشرة التفاوض مع الثوار، وسط تأييد عربى كاسح وتفاؤل له ما يسنده من أن فجرا جديدا يطل على الأمة العربية..
فى هذا المناخ قامت أول دولة للوحدة العربية فى التاريخ الحديث من خلال اندماج مصر وسوريا فى «الجمهورية العربية المتحدة» وسط جو من التأييد الحماسى العارم وتحقق العرب من أن فجرا جديدا يطل عليهم مبشرا بنهاية عصر الاستعمار والاحتلال وحكم الرجعية بملوكها والأمراء واتباع الأجنبى..
***
لنعد إلى الجزائر وثورتها الثالثة، حتى لا ننسى محاولة الإسلاميين الانقلاب على الحكم والسيطرة على البلاد، ولو عبر حرب أهلية كلفت آلاف القتلى وتدميرا فى أنحاء البلاد وتخريبا للاقتصاد... وأعادت الجيش إلى السيطرة على الحكم.
فى ظلال هذه السيطرة، تم استدعاء عبدالعزيز بوتفليقة، الذى شغل منصب وزير الخارجية طيلة عهد هوارى بومدين، الذى أزاح أول رئيس شرعى منتخب لجمهورية الجزائر الديمقراطية أحمد بن بله، فى انقلاب عسكرى... فلما توفى بومدين بعد مرض طويل كان مستحيلا معه أن يفيق من غيبوبته، وتوالى قادة عسكريون على السلطة، اختار بوتفليقة دولة الإمارات العربية المتحدة ملجأ سياسيا له.
.. وعاد بوتفليقة من منفاه الاختيارى ليأخذه الجيش، بالانتخابات الديمقراطية المشغولة، إلى منصب رئيس الدولة.. وبعد انتهاء الولاية الأولى تم التجديد له لولاية ثانية ثم ثالثة، فرابعة..
وقبيل انتهاء ولايته الأخيرة تبدى وكأنه يرغب فى التجديد أو التمديد، برغم أن حالته الصحية قد باتت كارثية، فهو عاجز عن الحركة والمشى والنطق، يحركونه فوق كرسى بعجلات، ويغيب للاستشفاء ثم يعود ليماطل فى التخلى عن سلطته التى تُخفى فى طياتها هيمنة الجيش على البلاد ومقدراتها، بغير خوف من الحساب.
.. وكانت الثورة المباركة ضد الطغيان: خرجت الملايين إلى شوارع المدن والقصبات فى مختلف أنحاء الجزائر، ورفضت المساومة وكشفت محاولات خداعها، واستمرت تحتل الميادين وتهتف للتغيير وإسقاط الرئيس العاجز.. حتى اضطر إلى كتابة استقالته وسلمها علنا إلى رئيس مجلس النواب.
ما تزال الثورة مستمرة، والجماهير يقظة، تتحاشى أن تخدع مرة أخرى، وتنادى بالوحدة الوطنية، وبإعادة الجزائر إلى دورها المفتقد عربيا ودوليا، فضلا عن الاستفادة من الثروات الطبيعية العديدة التى تتفجر بها أرض الجزائر (النفط والغاز) لبناء الغد الأفضل لملايين جزائر الثورة.
***
الحكم، الآن، نظريا، فى يد مجلس الشعب، وعمليا فى يد الشارع، الذى ضاق بالجماهير فجعل الجيش يتردد فى القفز إلى سدة السلطة..
لكن الأيام ما تزال حبلى بالتطورات.. والحركة الشعبية تستريب بموقف بعض قيادات الجيش.. لذلك، ومع فرحتها البالغة وزهوها بانتصارها الذى تمثل فى توقيع بوتفليقة على تعهد بعدم ترشيح نفسه لولاية جديدة وتكليفه مجلس الشعب بأن ينتخب رئيسا جديدا، خلال المهلة الدستورية، فإن الشعب المتحسب من مخادعة جديدة ما زال يملأ الشوارع فى انتظار إعلان النصر.
إن الجزائر بتضحيات شعبها العظيم التى تجاوزت أى تقدير، تستحق أن يحكمها هذا الشعب الذى بلغ من امتهانه ما جعل ملايينه تستقبل مستعمره السابق الرئيس الفرنسى جاك شيراك بالهتاف «فيزا، فيزا!»..
وعسى أن يتجاوز هذا الشعب العظيم بخبراته المتراكمة، خلال حرب التحرير، ثم خلال تجربته الاستقلالية مصاعب اللحظة، وهى كثيرة وخطيرة، من أجل التفرغ لبناء الغد الأفضل.
رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية
لكن الأيام ما تزال حبلى بالتطورات.. والحركة الشعبية تستريب بموقف بعض قيادات الجيش.. لذلك، ومع فرحتها البالغة وزهوها بانتصارها الذى تمثل فى توقيع بوتفليقة على تعهد بعدم ترشيح نفسه لولاية جديدة وتكليفه مجلس الشعب بأن ينتخب رئيسا جديدا، خلال المهلة الدستورية، فإن الشعب المتحسب من مخادعة جديدة ما زال يملأ الشوارع فى انتظار إعلان النصر

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات