اشترط الرئيس الأمريكى دونالد ترامب موافقته على وقف إطلاق النار مدة أسبوعين بأن «يُفتح مضيق هرمز فورا»، لكن هذا لم يحدث بعد؛ لذلك، وحتى ساعات الليل المتأخرة، لم يدخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ فعليا، ولكى يُفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الحرة، يجب على الإيرانيين إعلان ذلك رسميا، وتوضيح ما إذا كانوا سيفرضون شروطا على السفن المارّة، قبل أن توافق شركات التأمين البحرى على تأمين ناقلات النفط الضخمة وسفن الحاويات التى تنتظر على جانبَى المضيق، التى ينتظر بعضها منذ أكثر من شهر. ومن المؤشرات غير المشجعة إطلاق إيران صواريخ نحو وسط إسرائيل، بعد تصريح ترامب.
كان متوقعا فى مجتمع الاستخبارات الإسرائيلى حدوث مثل هذه الإطلاقات إذا تم التوصل إلى وقف إطلاق نار، فهذه هى طريقة الإيرانيين لإظهار أنهم لم يستسلموا، وأنهم يواصلون الرد على «العدو» (أى الولايات المتحدة وإسرائيل).
كذلك قامت إيران بتسريب خطة من 10 نقاط قدمتها للولايات المتحدة، قال ترامب إنها أساس جيد للتفاوض، لكن مراجعة هذه الخطة تُظهر أن إيران لم تتراجع عن أى من مطالبها السابقة، وربما تخفف من موقفها خلال الأسبوعين المقبلَين، لكن لا يوجد سبب واضح للتفاؤل حاليا.
لذلك، لا يمكن اعتبار الأمور محسومة بعد، ويجب على الجبهة الداخلية فى إسرائيل عدم التراخى فى إجراءات الحذر؛ وفقط عندما تعبر عشرات السفن مضيق هرمز فى الاتجاهين، يمكن التفكير فى العودة إلى الوضع الطبيعى.
وفى الوقت عينه، يُجبر ترامب إسرائيل على دفع ثمن وقف إطلاق النار، الذى أعفاه من تنفيذ تهديداته ضد إيران؛ إذ تضطر إسرائيل إلى إيقاف عملياتها فى لبنان فى ذروة هجوم كان يهدف إلى نزع سلاح حزب الله، أو تقليص تهديده فترة طويلة. يجرى هذا بينما الهجوم على لبنان لا يزال فى مرحلته الأولى، ولا يزال الحزب يطلق الصواريخ من مناطق أُخرى من لبنان.
إذا تم تقييد إسرائيل فى لبنان فترة أطول من أسبوعين، فقد تواجه مشكلة أمنية خطِرة، وبصورة خاصة فى ظل النقص فى القوى البشرية القتالية والضغط الكبير على جنود الاحتياط.
لكن على الرغم من ذلك، ومن محاولة إيران إظهار «نصر عبر عدم الهزيمة»، يبدو كأن النظام الإيرانى هو مَن تراجع أولا، نتيجة ضربات سلاح الجو الإسرائيلى، التى طالت بنيته التحتية وتدمير جزء منها فى الأيام الأخيرة، والتهديدات بتصعيد أكبر.
لقد أدّت الضربات الجوية الإسرائيلية إلى زيادة الضغط على النظام الإيرانى، وبشكل خاص عبر استهداف البنية التحتية الحيوية، وهو ما يخلق تحديات داخلية للنظام، وخصوصا فى ظل التوترات الاقتصادية والاجتماعية.
لم يحِن وقت استخلاص النتائج بعد، لكن إذا دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، فيمكن إجراء تقييم مرحلى؛ يستطيع ترامب تسجيل إنجازين فوريين نتيجة وقف إطلاق النار: انخفاض أسعار النفط عالميا، وبالتالى انخفاض أسعار الوقود فى الولايات المتحدة، كذلك يمكن الافتراض أن المعارضة القوية داخل الولايات المتحدة للحرب مع إيران (فى الحزبين) ستتراجع، وهذا يفيد ترامب قبل انتخابات منتصف الولاية بعد نحو سبعة أشهر، كما أن أسبوعين من وقف إطلاق النار يمنحان الولايات المتحدة فرصة لحشد مزيد من القوات فى الشرق الأوسط، تحسبا لاستئناف القتال.
أمّا فى المدى الطويل، فيمكن القول إن إسرائيل والولايات المتحدة حققتا حتى الآن معظم الأهداف العسكرية التى حددتاها مسبقا: لن تتمكن إيران من تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة، أو بمستويات عالية، ولن تتمكن من تطوير سلاح نووى لفترة طويلة؛ كذلك ستواجه صعوبة كبيرة - ربما لسنوات - فى إعادة بناء صناعة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وستبقى لديها قدرات إطلاق ومعرفة تقنية، لكن البنية الصناعية اللازمة دُمّرت إلى حد كبير، وبالتالى لن تتمكن من تهديد دول الشرق الأوسط بآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة مثلما كانت تخطط.
كذلك تضررت منظومة الدفاع الجوى الإيرانية بشدة؛ لذلك، ستضطر إلى التفكير مليا قبل أى خطوة لإعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية، إذا أرادت تجنُّب جولة جديدة من الضربات الجوية.
وأخيرا، يمكن القول إن قدرة إيران على دعم قواتها الوكيلة تراجعت بشكل كبير، على الرغم من أنها لا تزال تحافظ على الاتصال بها وتستعين بها. ما الذى لم يتحقق؟
لا تزال إيران تمتلك نحو 441 كلج من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، الذى يمكن استخدامه لإنتاج مادة انشطارية تكفى لصنع نحو 10 قنابل نووية؛ هذا اليورانيوم مدفون عميقا داخل منشآت تحت الأرض، وعمل سلاح الجو الأمريكى على سدّ الوصول إليها باستخدام قنابل خاصة وغارات متكررة، لكن إذا تمكن الإيرانيون من الوصول إلى هذه المادة، ففى إمكانهم امتلاك سلاح نووى.
العنصر الثانى فى قائمة ما لم يتحقق بعد هو فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الحرة.
أمّا الموضوع الثالث، فهو إسقاط النظام؛ صحيح أنه حدث تغيير داخل النظام فى طهران نتيجة تصفية متكررة لكبار المسئولين، لكن هذا التغيير لم يكن إيجابيا؛ حاليا يسيطر على الحكم قادة من الحرس الثورى إلى جانب رجال دين موالين لهم، وجميعهم متشددون دينيا.
على الرغم من أن الرئيس دونالد ترامب وفريقه يدّعون أنهم لم يخططوا، أو يعملوا على إسقاط النظام الثيوقراطى فى إيران، وأن ذلك «مشروع» تسعى له إسرائيل، فإن هذا غير دقيق؛ هناك تفاهُم غير معلن بين إسرائيل والولايات المتحدة فى هذا الشأن.
فى ظل الوضع الحالى، هناك مصدران رئيسيان للقلق فى إسرائيل: الأول، هو كيفية إقناع ترامب بعدم التسرع فى رفع العقوبات عن إيران، وعدم إعادة الأموال الإيرانية المجمدة، لأن تخفيف الضغط الاقتصادى سيساعد النظام على تهدئة الشارع، ويمكّنه من تمويل حلفائه، وعلى رأسهم حزب الله، وكذلك إعادة بناء قدراته العسكرية.
أمّا القلق الثانى، فيتمثل فى كيفية إكمال المهمة التى بدأها الجيش الإسرائيلى فى لبنان، والتى لا تزال بعيدة عن نهايتها.
رون بن يشاى
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية