التوقعات الافتراضية - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 8:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

التوقعات الافتراضية

نشر فى : الإثنين 9 مايو 2022 - 9:50 م | آخر تحديث : الإثنين 9 مايو 2022 - 9:50 م
كان ظهور نظرية التوقعات الرشيدة عام 1961 على يد الاقتصادى الأمريكى «جون موث» بمثابة ثورة فكرية أدت إلى حدوث تطورات مهمة فى التحليل الاقتصادى. وقد حاولت تلك النظرية أن توضح كيف تستطيع المؤسسات الاقتصادية أن تحدد توقعاتها بشكل نظرى، ثم تطابق ذلك مع الواقع، استنادا إلى الخبرات السابقة والمعلومات المتاحة لدى تلك المؤسسات حول الظاهرة محل الدراسة.
قبل ذلك التاريخ كان الاقتصاديون يبنون توقعاتهم للمستقبل استنادا إلى الخبرة السابقة فقط، فإذا أردت ــ مثلا ــ أن تتوقع معدل التضخم السنوى للعام المقبل، فإن تقديره يتم بالرجوع إلى متوسط معدلات التضخم للسنوات السابقة، هذه النظرة للتوقعات كان يطلق عليها «التوقعات المعدلة». كذلك كان هناك نوع آخر من التوقعات يطلق عليه «التوقعات الانحدارية»، وهذه تشمل التوقعات التى تعتمد على الخبرات السابقة أو القيم التاريخية للمتغير محل الدراسة، فضلا عن المشاهدات عن بعض المتغيرات الأخرى.
ويعد الاقتصادى الأمريكى «روبرت لوكاس» الحائز على جائزة نوبل فى الاقتصاد عام 1995 صاحب الإسهام البارز فى ظهور ما يعرف بـ«مدرسة التوقعات الرشيدة» فى ثمانينيات القرن العشرين، إذ أسس لمفهوم رشادة المتعاملين الاقتصاديين، ومدى تأثير ذلك على سلوك الظواهر والمتغيرات الاقتصادية. وقد أكد «لوكاس» فى أبحاثه على ضرورة مراعاة صانعى السياسة الاقتصادية لنظرة الأفراد إلى المستقبل، ومن ثم اتجاه حركة وسلوك المتغيرات الاقتصادية تبعا لما هو سائد فى الوقت الراهن، باعتبار أن المتعاملين الاقتصاديين يتمتعون بالرشادة والعقلانية التى تمكنهم من التحوط للظروف المستقبلية. وعليه فإن السياسة الاقتصادية يجب أن تنطلق من الواقع السائد فى النشاط الاقتصادى والذى يؤسس للمستقبل، ومن ثم تبنى عليه مستقبل العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية بما يؤدى إلى التوصل إلى سياسة اقتصادية تساهم فى تحسين النشاط الاقتصادى سواء زيادة الناتج، أو التشغيل، أو مكافحة التضخم.
•••
اليوم وبعد عقود من ظهور نظرية التوقعات الرشيدة وزيادة مساهمة الاقتصاد السلوكى فى كثير من أوجه التحليل الاقتصادى، أصبح من الضرورى أن ننظر إلى سيطرة توقعات الأفراد على مستقبل الظواهر الاقتصادية بعين جديدة تستلهم العبر من اختلاف تلقى الاقتصادات الحديثة للأزمات وسرعة وآلية تجاوزها عن سلوك ذات الأزمات فى الماضى، وبعيدا عن توقعات أمهر الاقتصاديين.
تناولت فى مقالات سابقة التفاوت الواضح بين تعامل العالم مع الأزمة المالية عام 2008 (مثلا) وتعامله مع أزمة الكساد الكبير نهاية العقد الثالث من القرن الماضى. كان المحللون قد وصفوا أزمة 2008 بأنها أخطر وأكبر ضررا من الكساد الكبير، وأن الدورة الاقتصادية التى سوف يمر بها العالم لابد وأن تكون أطول وأعمق أثرا من سابقاتها طوال أكثر من قرن من الزمان. لكن الأزمة مرت بتكلفة أقل من كل التوقعات، وخلال فترة زمنية قصيرة نسبيا رأيت حينها أن السبب فى ذلك هو كفاءة وسرعة تدفق المعلومات فى النظام المالى العالمى الجديد، بشكل يختلف كثيرا عن عصر ما قبل اختراع الحاسب الآلى والتواصل عبر الانترنت.
اليوم ومع تواتر عدد كبير من الأزمات الاقتصادية خلال فترة زمنية قصيرة، ومع شيوع حالة ــ ربما تكون غير مسبوقة ــ من عدم اليقين فى مختلف الأسواق، أرى من الضرورة بمكان أن ننظر إلى توقعات الأفراد والمؤسسات من زاوية جديدة. توقعات الفرد الاقتصادى باتت تتشكل فى عالم افتراضى بحت، حتى أن مختلف عناصر الأزمة تنكشف فى تقارير ونقاشات العالم الافتراضى، وتتم جميع فصول الأزمة فى عالم موازٍ، غالبا ما تحكمه صورة متشائمة يسيطر عليها المزاج العام السلبى، الناتج عن توالى الأزمات، وكبت الطلب وحرية الانتقال خلال عام الإغلاق الأكبر على خلفية كورونا وما تلاها من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
فى أزمة الكساد الكبير عام 1929 وما بعدها لم يكن هناك عالم افتراضى، ولم تكن المعلومات تتدفق إلا بصعوبة وبطء عبر وسائل تقليدية محدودة لصناعة الأنباء، وكانت معدلات البطالة وحالات الإفلاس وكساد الأسواق وغيرها من مظاهر وتداعيات للأزمة تنشأ وتتطور تدريجيا ككرة الثلج، ولم يدرك معظم الناس حينها حجم الأزمة إلا بعد أن اكتملت بالفعل جميع فصولها على أرض الواقع. وإذا أعملنا نظرية التوقعات الرشيدة على الكائن الاقتصادى حينئذ، فإنه ينشئ تصورا للمستقبل تقل فيه المعلومات وتنعدم معه فرص التواصل المباشر الفعال بين أطراف السوق إلا فى نطاق جغرافى محدود، كأهل قرية أو حى سكنى أو مدينة على أوسع تقدير. أما أزمات ما بعد عصر الإنترنت فإن الكائن الاقتصادى يمكن أن يتعامل معها ببناء عشرات النماذج لسيناريوهات مستقبلية من واقع آلاف المصادر من المعلومات. صحيح أن كثرة البيانات تعنى مزيدا من الضجيج ومعاملات الخطأ، لكن هذا الخطأ ربما يكون مفيدا فى تجاوز الأزمات... كيف ذلك؟!
للإجابة على السؤال السابق كان على أن أقترح مصطلحا جديدا، أرجو أن يتحملنى القارئ فى استحداثه وتبسيط شرحه. كان على استلهام ما أسميه «التوقعات الافتراضية» أو virtual expectations والتى تعكس رؤية الكائن الاقتصادى للمستقبل داخل إطار افتراضى متكامل تتطور فيه جميع فصول ومراحل الأزمة وأسوأ تجلياتها وسيناريوهاتها المستقبلية تحت سمع وبصر الجميع. التوقعات الافتراضية المتشائمة والتى تحركها معلومات شديدة السلبية تبنى الكثير من البدائل لمستقبل كئيب، حتى إن بعضها يقترب من حد توقع يوم القيامة وفناء البشرية بشكل شبه منتظم! فإذا تمثلنا النماذج المختلفة التى يبنيها الناس للمستقبل فى شكل توزيع احتمالى طبيعى، فإن اهتمام غالبية الناس (وهم غير مختصين) سوف تتجه إلى النماذج المتطرفة (سلبا وإيجابا) لما فيها من إثارة وما تشبعه من رغبات مكبوتة للتنفيس عن حالات الاكتئاب وتراجع المراكز الاقتصادية، إما بالتعايش معها وتقبلها لأن المقبل أسوأ كثيرا، أو بالصبر عليها لأن المقبل أفضل كثيرا... لكن رفاهية التفاؤل المفرط ينعم بها ويرفل فيها من تميل الظروف الاقتصادية بكفته وهم القلة، أما غالبية الناس فهم ضحايا الأزمات ووقودها الذى يحترق بكثافة كى تمر الأزمة سريعا، ومن المتوقع أن ينحازوا إلى النماذج شديدة السلبية فى تصور المستقبل.
•••
إلى هنا عزيزى القارئ لا يمكن أن نفهم لماذا وكيف تمر الأزمة إذن بتداعيات سلبية أقل من توقعات المختصين، طالما أن توقعات معظم الناس للمستقبل شديدة السلبية! الأمر يحتاج إلى فهم للجانب النفسى والسلوكى للكائن البشرى، فإذا أقام الفرد لنفسه مستقبلا شديد الإظلام فى واقعه الافتراضى، وأخذ يخط بيديه مزامير البؤس والندب والشقاء ونعى الذات على صفحاته للتواصل الاجتماعى مع محيطه الممتد من البشر، وأخذ يؤثر ويتأثر فى محيطه الاجتماعى بموجات عنيفة من التشاؤم وتقدير أسوأ السيناريوهات، فإنه تتطور لديه بمرور الوقت مناعة من نوع خاص، تجعله أكثر صلابة فى مواجهة الاحتمالات السيئة فى عالم الواقع.
مثلا إذا أقمت لنفسك نموذجا لمستقبل بائس ترتفع فيه الأسعار بشكل جنونى، ويتم فيه تسريحك عن العمل أو تخفيض راتبك، وأحاطت بك مخاف عدوى الجائحة واحتمال إصابتك وكل أفراد عائلتك بأسوأ أنواع طفراتها! ثم أخذت تنسج حول ذلك المآل الافتراضى البائس قصصا ونقاشات مع قائمة أصدقائك ومعارفك والمتواصلين معك عبر الانترنت... فأنت أيها الكائن الاستثنائى الذى تجاوز كل تلك العقبات افتراضيا يتكون لديك رصيد من المهارات والخبرات والتجارب للتعامل مع واقع أقل بؤسا فى العالم الحقيقى، وتنمو لديك توقعات أكثر تفاؤلا بشأن المستقبل على أرض الواقع. تماما مثل المتدرب على الطيران فى غرف مغلقة باستخدام نماذج محاكاة آلية للطيران، ربما لن يكون ببراعة من يختبر الأزمات بشكل طبيعى، لكنه بالتأكيد أفضل وأمهر من ذلك الذى تصفعه الأزمات فجأة دون تأهب أو استعداد.
هل هذه دعوة إذن إلى مزيد من التشاؤم والسوداوية على مواقع التواصل؟ إطلاقا... ولكنها محاولة لتفسير آلية هضم العالم الحديث لأزمات الاقتصاد بمعدل زمنى وتكاليف أقل من المتوقع، وفرصة للبحث فى كيفية تطويع ذلك العالم الافتراضى متعدد الأبعاد للتعامل مع الأزمات الاقتصادية المتجددة بخبرات أعمق وتوقعات أكثر دقة ورشادة.
مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات