قبة الهوا.. ولوحة المجاعة! - عاطف معتمد - بوابة الشروق
الأحد 14 يوليه 2024 4:29 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

قبة الهوا.. ولوحة المجاعة!

نشر فى : الثلاثاء 9 يوليه 2024 - 7:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 10 يوليه 2024 - 9:21 ص

قبل عقد من الزمن، وخلال زيارة إلى بعض مدن ألمانيا، لا سيما فرانكفورت وبرلين، استوقفنى كتاب من بين الأكثر مبيعا، يحمل عنوان One thousand Places to see before you die (ألف مكان عليك رؤيتها قبل أن تموت) وهو واحد من كتب السفر والسياحة فى العالم.
وأستطيع أن أقول إننا فى مصر نحتاج إلى كتاب بهذا العنوان عن الأماكن الرائعة فى مصر التى يجب أن يراها الإنسان قبل موته، والتى تزيد على ألف مكان.


وسأختار فى مقال اليوم مكانين فى أسوان: الأول اسمه «لوحة المجاعة» والثانى اسمه «قبة الهوا».

• لوحة المجاعة


فى مجرى النيل فى أسوان هناك جزيرة صخرية من الجرانيت تعرف باسم «جزيرة سهيل» لا تستمد أهميتها من طبيعة بيئتها فحسب، بل هى تضم فوق ذلك أكثر من 200 نقش بالهيروغليفية لأحداث مهمة فى التاريخ المصرى. ولعل أهم نقش فيها ذلك المعروف لدى علماء الآثار باسم «لوحة المجاعة».
وبعد أن تفقدتُ النقوش العديدة على صخور الجزيرة، صعدت على القمة الخفيضة وأخذت الصورة المرفقة للنقش الفريد النادر المعروف باسم «لوحة المجاعة».

 


وضعت على الصخرة الكتاب الإرشادى الذى كتبه عدد من العلماء الأجانب عن هذه اللوحة، ومن هذا الكتاب أخذت السطور التالية:


يذهب علماء الآثار إلى أن النقش الموجود على هذه اللوحة يؤرخ للعصر البطلمى (ربما فى عهد بطلميوس الخامس 205-180 ق. م).


وعلى الرغم من أن النقوش تمت قبل 2200 سنة فإن الأحداث التى تحكيها اللوحة تعود إلى آلاف السنين الماضية السابقة على زمن اللوحة.


فهى تحكى عن واقعة مجاعة أصابت مصر فى عصر الملك زوسر من الأسرة الثالثة (2686 ق. م – 2649 ق. م).


وهذا أمر بالغ الأهمية فى الموضوع، فالفارق الزمنى بين تاريخ الأحداث التى ترويها اللوحة وتاريخ نقشها يبلغ نحو 2450 سنة!


إذا نظرت للصورة المرفقة ستجد الجزء العلوى من اللوحة يضم أربع شخصيات هى من اليسار إلى اليمين: الملك زوسر واقفا يمد يديه بالقرابين إلى ثلاثة من الآلهة المصرية الكبرى: خنوم (المعبود الخالق)، ساتت (معبودة الحرب وحارسة الحدود فى النوبة) وعنقت (معبودة فيضان نهر النيل).


الجزء الأدنى من اللوحة يتألف من 32 عمودا للكتابة تؤرخ للعام 18 من حكم الملك زوسر (ومقر حكمه فى الشمال فى العاصمة «منف» عند التقاء الوادى بالدلتا).


يقول النقش إنه فى ذلك العام انتاب الملك شعور بالقلق مع تزايد الجفاف والقحط بالبلاد المصرية بسبب ضعف مياه النيل لسبع سنوات عجاف فأصاب الناس خوف وهلع وخرجوا عن كل قانون ونظام وهاجوا فى شغب وقتل وسلب ونهب وفوضى عارمة.


وبالاستعانة بالمستشار والمهندس الشهير فى ذلك الوقت «إيمحوتب» عرف الملك زوسر أن الفيضان رهين بإله الخلق «خنوم» فى إليفنتين (أسوان) التى ينبع منها النيل من ينبوع مقدس.(لم يكن الاعتقاد وقتها بأن النيل يأتى من منابع الحبشة أو هضبة البحيرات الاستوائية.


سافر إيمحوتب إلى ينبوع النهر فى إليفنتين (شلال أسوان) وخلال صلاته أخذته سنة من نوم فرأى فى منامه خنوم يعده بإعادة الفيضان من جديد.


رجع إيمحوتب من أسوان إلى منف وقص على زوسر الرؤيا فسعد زوسر بالأمر وأمر بالاهتمام بعبادة خنوم وبث الحياة فى معبده وتقديم العطايا له، فضلا عن منح ثروات لكهنة معبد خنوم فى إليفنتين وأن يشارك المعبد فى الأرباح التى يجنيها إقليم النوبة من التجارة.


وعلى الرغم من الأهمية الأثرية والعلمية والتاريخية للوحة وما تضمه من نقش، يذهب البعض إلى أن الفارق الزمنى الكبير بين قصة النقش وتاريخ كتابته ربما يشير إلى محاولة من كهنة إليفنتين تخويف الحكام البطالمة وابتزازهم بضرورة الاهتمام بمعبدهم وعبادة خنوم وإلا وقع بهم الجفاف والقحط كما حدث قبل آلاف السنين.

• أبو الهوا


أخذت الصورة المرفقة من أسوان، من الضفة الشرقية للنهر، ناظرا تجاه الغرب نحو «أبو الهوا».
أسوان هى جبل أبو الهوا، وجبل أبو الهوا هو أسوان.

 

يعتلى «أبو الهوا» البر الغربى للنيل: منحدر شديد من الصخور الرملية المنقور فيه مقابر قديمة من عهد الإنسان الأول وزمن قدماء المصريين.
وفوق كل ذلك قلاع عسكرية استراتيجية توارثتها الحضارات وكان أحدثها تلك التى تعود لألف سنة منذ العصر الفاطمى.


قبل ثلاث سنوات كنت أظن أن هذا هو المكان الوحيد الذى يسمى «أبو الهوا» حتى زرت الشهر الماضى أماكن أخرى جنوب الشلال القديم وعرفت أنهم يطلقون «أبو الهوا» على كل قبة أو مقام أو ضريح أو حصن معلق هناك أعلى الجبل.


ليس عندى دليل: من سبق الآخر؟ هل جاء الزهاد وسكنوا الأماكن العالية بعد نزول الحراس وانتهاء عصر المراقبة أم اهتدى الحراس بمواقع الزهاد وصعدوا إلى حيث يقتربون من السماء فيرون الأرض كما يراها «الرب» ويراقبون الناس كما تراقبهم «السماء»؟
كلما وقفت هنا لأقرأ مشهد «أبو الهوا» أتذكر الهند.
فى الهند تاريخ مشوق عن صوفية المسلمين.


أحد رواد البحث التاريخى فى الصوفية باحث هندوسى رفيع المستوى يتتبع العلاقة بين الجغرافيا والدين أسمه يوجيندر سيكند Sikand. Y.. قرأت أعماله النظرية أولا، لم نتقابل خلال زيارتى للهند فى 2005 لكننا التقينا حين جاء هو لزيارة القاهرة فى 2008.


قدم سيكند فى عام 2004 دراسة رائدة عن طريقة صوفية شهيرة فى كشمير، ذلك القطاع الحدودى المتنازع عليه بين الهند وباكستان.


عثر سيكند على طريقة صوفية إسلامية فريدة ذات تاريخ طويل تسمى الطريقة «الريشية».
جاءت «الريشية» إلى كشمير وباكستان من أصل فارسى ولها عدة معان، فهى تعنى «جريح» ويقصد بها حالة تلك الروح لدى الزاهد الذى نال منه الحب الإلهى، لأن الريش المنزوع من الجسد علامة إصابة وسهم جارح.


كما تعنى أيضا «الجناح» أو ريش الجناح، وتشير إلى كل من امتلك ريشا وجناحا و «طار» عن الدنيا متخذا الهوا طريقا والسماء غاية.
وكل ذلك يعنى خفة ورشاقة وتحليقا فى الملكوت.

عاطف معتمد الدكتور عاطف معتمد
التعليقات