النذر المظلمة فوق أديس أبابا! - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الإثنين 29 نوفمبر 2021 11:38 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

النذر المظلمة فوق أديس أبابا!

نشر فى : الأربعاء 10 نوفمبر 2021 - 9:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 10 نوفمبر 2021 - 9:15 م

توشك إثيوبيا أن تدخل حقبة جديدة فى تاريخها الحديث يتقرر فيها مصيرها كدولة فيدرالية موحدة.
احتمالات التفكيك ماثلة فى الأفق السياسى المسدود بكتل النيران التى تقترب من العاصمة أديس أبابا، واحتمالات الانجراف إلى حرب أهلية جديدة و«سنوات مظلمة أخرى» ماثلة بذات القدر.
اعتادت النظم السياسية التى توالت بقوة السلاح على مقاعد الحكم أن تصف ما قبلها بـ«سنوات الظلام».
كان ذلك مفهوما عند إطاحة النظام الإمبراطورى، الذى قبع على رأسه «هيلا سيلاسى الأول» «الأسد القاهر المختار من الله» لأربعة وأربعين عاما بانقلاب عسكرى قاده مجموعة من الضباط الشيوعيين بقيادة «مانجستو هيلا ماريام».
وكان ذلك مفهوما بقدر ما أشاعته تجربة الحكم الجديدة من أجواء ترهيب وتنكيل، وما أفضت إليه من تشققات عميقة فى مكونات بلد متعدد الأعراق واللغات.
استهلكت إثيوبيا طاقتها ومقدراتها فى حرب أهلية طويلة ومهلكة امتدت لسبع وعشرين سنة طوال حكم «مانجستو» توصف على نطاق واسع بـ«سنوات الظلام».
هذا السيناريو حاضر اليوم فى ظروف مختلفة وأحوال جديدة.
فى المقاربات الدولية من الحدث الأثيوبى تحذيرات متواترة من الانجراف إلى حرب أهلية ودعوات إلى عدم التصعيد العسكرى ووقف إطلاق النار والامتناع عن خطاب الكراهية والتحريض على العنف لا تصادف أى قدر من النجاح حتى الآن.
الحرب الأهلية جارية بالفعل لا فى مخيال الذين يحذرون منها.
المقصود بالضبط من التحذيرات المتواترة إبداء الخشية من تكرار تجربة الماضى، أو أن تمتد مواجهات السلاح بين العرقيات المتناحرة لسنوات طويلة قد تفضى تداعياتها ــ هذه المرة ــ إلى تفكيك إثيوبيا نفسها وإشاعة أجواء الفوضى والاضطراب فى أنحاء القرن الإفريقى وشرق أفريقيا.
كان مستلفتا فى الحربين الأهليتين الأولى والمستجدة تصدر «جبهة تحرير شعب التيجراى» لمشاهد القتال.
بالمرتين نجحت فى بناء تحالفات سياسية وعرقية ضد الحكومة المركزية فى أديس أبابا وأبدت قدرة لافتة على الحشد والتعبئة والقتال رغم أن وزنها السكانى نحو (6%) من عدد سكان إثيوبيا.
فى المرة الأولى، أسقطت نظام «مانجستو» عام (1991) وأسست لحكم فيدرالى ترأسه زعيمها «ميلس زيناوى»، الذى أحكم قبضته على السلطة بلا منازع تقريبا حتى رحيله عام (2012).
تكاد قواتها الآن أن تقتحم العاصمة أديس أبابا بتحالف مع ثمانى منظمات عسكرية أخرى أهمها القوات التى تنتسب إلى عرقية الأورومو، أكبر العرقيات الأثيوبية، التى ينتسب إليها رئيس الوزراء «آبى أحمد»!
فيما هو منسوب إلى قادة «التيجراى» فإنهم لا يهدفون إلى حكم إثيوبيا، بل إطاحة «آبى أحمد»، كان ذلك ترتيبا للأولويات لا عزوفا عن السلطة.
أحد الاحتمالات الواردة انفصال الإقليم خاصة أن المادة (39) من الدستور الأثيوبى تجيز فى بعض الحالات حق تقرير المصير.
هكذا تترتب الأولويات: إطاحة «آبى أحمد» أولا، وحيازة السلطة فى أديس أبابا ثانيا، الانفصال ثالثا إذا غابت القدرة بضغوط دولية عن الحسم العسكرى الأخير.
مصير «آبى أحمد» عقدة الموقف فى الحرب الأهلية الأثيوبية الجديدة.
أفضت سياساته إلى إشعال نيرانها باقتحام إقليم «التيجراى» بقوة السلاح والاستعانة بقوات أجنبية ضد مواطنى شعبه توظيفا للكراهية المتبادلة بين مواطنى الإقليم وأريتريا على خلفية الحرب مع إثيوبيا، التى انتهت بانفصال اريتريا.
كانت تلك خطيئة كبرى استدعت كراهيات لا يمكن التحكم فى المدى الذى تذهب إليه.
وفق التقارير الدولية تجاوزت الانتهاكات التى ارتكبت بحق مواطنى التيجراى كل قيد أو حد تقتيلا وتشريدا وانتهاكا للأعراض.
هكذا يصعب التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة بتدخل دولى ما تمنع اقتحام أديس أبابا وإطاحة «آبى أحمد» بقوة السلاح.
القصة ما زالت فى فصولها الأولى، لم تستغرق حتى الآن سوى عام واحد تدحرجت خلاله كتل النيران بأسرع من أى توقع.
انقلبت موازين القوى العسكرية بفداحة وأخفق رهان «آبى أحمد» على إنهاء تمرد «التيجراى» على تعطيل الانتخابات النيابية فى الإقليم.
بدا الجيش الأثيوبى منكشفا أمام مسلحى «التيجراى» رغم أنه نظريا رابع قوة مسلحة فى القارة بعد مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا.
فى مثل هذه المواجهات العرقية يصعب أى حديث عن عقيدة قتالية، أو تماسك ممكن لأية قوة عسكرية، الهزيمة شبه محتمة.
يكاد مصير «آبى أحمد» أن يكون قد تقرر، لا أحد تقريبا من القوى الدولية والإقليمية التى يعول عليها لإنقاذ حكمه مستعد أن يحارب بالنيابة معركة خاسرة.
إذا تقوضت قواته فى الميدان بأكثر مما هو حادث فإن الأمريكيين سوف يسارعون لترتيب الأوضاع الجديدة بما يحفظ مصالحهم فى القرن الإفريقى، الأوروبيون سوف يحتذون ذات الموقف، الصينيون والروس سوف ينظرون إلى مصالحهم أولا وكيفية الحفاظ عليها دون أضرار استراتيجية واقتصادية تلحق بهم، والإسرائيليون الذين راهنوا على «آبى أحمد» سوف يكونون أول من يتخلون عنه، اللاعبون الإقليميون الآخرون لن يتورطوا فى أية مواقف وسياسات تضر بمصالحهم الكبيرة والصغيرة معا.
هذه هى قواعد اللعبة، فالكلمة الآن للسلاح والمصالح.
أين مصر من ذلك كله؟
«آبى أحمد» يلمح إلى دور مصرى ما فى دعم وتسليح «التيجراى» عبر السودان، لكنه يتحاشى التصريح بما لا دليل عليه خشية أن يسوء موقفه بأكثر مما هو حادث.
بأية نظرة موضوعية فإن من مصلحة مصر استقرار إثيوبيا وعدم شيوع الفوضى المسلحة عند منابع النيل شريان الحياة فيها، والحيلولة دون تدهور الأمن والسلم الإقليميين فى القرن الإفريقى.
هذه بديهيات فى مقتضيات الأمن القومى المصرى، بذات قدر عدم الإضرار الفادح بحصتها فى مياه النيل من بناء «سد النهضة» الأثيوبى والامتناع بالمراوغة عن توقيع اتفاق قانونى ملزم.
يستلفت النظر ــ هنا ــ أن «ميلس زيناوى» الزعيم التاريخى لـ«التيجراى» ينسب إليه مشروع السد الأثيوبى، وضع حجر أساسه فى عصره، وشرع فى بنائه تحت إشرافه، كان هو من فكر قبل «آبى أحمد» أن يكون السد رافعة الدور الأثيوبى الجديد فى قيادة القارة بالهيمنة على مياه نهر النيل.
باسم الاستثمار فى الموارد المائية لإنتاج الكهرباء وتحسين مستويات معيشة أكثر من مائة مليون أثيوبى يعيش أغلبهم تحت خط الفقر جرى العمل على جلب الاستثمارات فى مشروع السد وبناء شبكة مصالح واسعة عملت لأسباب مختلفة على تهميش الدور المصرى.
تختلف الوجوه والسياسات لكن يبقى مشروع السد بأبعاده وأهدافه شبه نقطة إجماع وحيدة فى بلد تمزقه صراعاته العرقية.
ليس هناك ما ينبئ أن الحكام الجدد المحتملين سوف ينتهجون سياسة أخرى إذا لم تكن هناك فى المكان عين حمراء مصرية تردع أية تجاوزات تنال من حق البلد فى الحياة.
عند تقاطعات النيران لا تجدى كثيرا التظاهرات التى ينظمها أنصار «آبى أحمد» فى أنحاء مختلفة من البلاد ضد من يطلقون عليهم «العملاء»، أو إعلان الطوارئ» فى جميع الأنحاء ودعوة المواطنين إلى حمل السلاح، أو التحذير من أن تتحول إثيوبيا إلى ليبيا أخرى ــ كما قال رئيس الوزراء المأزوم نصا.
«إثيوبيا وجدت لتبقى وستهزم أعداءها وتكون قدوة لأفريقيا».
كانت تلك عبارة أخرى للرجل نفسه محملة برسائل متضاربة، بعضها ممكنة، مثل أن تبقى إثيوبيا، فهى ليست بلدا صغيرا، وقد تنهض من جديد إذا ما قدر لها ان تتخلص من إرث الماضى، وبعضها الآخر، كأن تكون قدوة لقارتها، تكاد تستحيل تماما فى ظل سياساته التى تجلب نذرا مظلمة فوق أديس أبابا.