رحلات شيخ الأزهر للخليج - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 9 أغسطس 2022 6:08 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

رحلات شيخ الأزهر للخليج

نشر فى : السبت 11 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 11 مايو 2013 - 8:00 ص

الزيارات الخليجية التى يقوم بها شيخ الأزهر مصطحبا معه بعض العلماء تبعث على الحيرة والقلق بأكثر مما تبعث على الارتياح، ذلك أن الشيخ ليس رجل دولة تحكمه الأعراف والمجاملات التى يقتضيها تبادل المصالح السياسية، ولكنه رجل دعوة يحتل موقعه على رأس مؤسسة عريقة أدت رسالتها التاريخية بجدارة باعتبارها جامعا وجامعة، تدرس الدين وتبلغه للناس كافة. قد تحقق زياراته بعض النتائج الإيجابية، لكن تلك النتائج تظل خارج الدائرة التى تتوجه إليها رسالة الأزهر. إن شئت فقل إنها تصب فى هوامش مهمته وليس فى صلبها. إننى أشم فى تلك الزيارات رائحة السياسة التى هى فى طبيعتها مشكوك فى براءتها. ذلك أن شيخ الأزهر حين يدعى إلى مناسبات لا علاقة لها بالدور العلمى أو الدعوى الذى تقوم به المؤسسة الكبرى التى يرأسها، فإن ذلك لابد أن يثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب. وحين يدعى الشيخ إلى بلد على غير صفاء أو وئام مع الدولة المصرية التى ينتمى إليها، فإن ذلك يفتح الباب لاحتمالات عدم البراءة، ومن ثم الشك فى أهداف الزيارة التى قد يظن ان المراد بها فصل الأزهر عن الدولة. وحتى إذا كان ذلك الاحتمال الأخير مبالغا فيه ويحمل الأمر بأكثر مما يحتمل، فالذى لاشك فيه أن الشبهة قائمة، وثمة قرائن عدة تؤيدها. وحرىٌّ بشيخ الأزهر ألا يضع نفسه فى ذلك الموضع. ثم حين تتزامن زيارات الإمام الأكبر للدول الخليجية مع حملة الإبادة التى يتعرض لها المسلمون فى ميانمار مثلا، وتنشر له صور مع أكابر القوم ووجهائهم فى الخليج جنبا إلى جنب مع صور جثث ودموع أولئك المسلمين البؤساء. فربما عذرنا من توجه إليه بالعتاب قائلا إنه يقف فى غير مكانه ويغيب حيث يجب أن يوجد.

 

لست أشك فى أن شيخ الأزهر يسعى فى الخير ويتحرى المصلحة حيث يذهب. ولست بحاجة إلى الحديث عن صدق نواياه فى هذا الصدد. لكننى أتحدث عن الحسابات والاعتبارات المعقدة التى ينبغى أن تراعى فى ترتيب زياراته، كى لا يستدرج إلى ساحات غير تلك التى ينبغى أن  تستأثر باهتمامه، وحتى لا يوظف دور الأزهر ووزنه بعيدا عن دوره كمنارة هادية على أصعدة المعرفة والتجديد والتبليغ.

 

ليس سرا أن جهات عدة تحاول استثمار دور الأزهر فى المعادلة السياسية. وذلك أمر ليس جديدا على تاريخه. فمنذ قام علماؤه بعزل الوالى التركى خورشيد باشا من منصبه حاكما على مصر وعينوا محمد على باشا مكانه وألبسوه «خلعة الولاية» فى عام 1805، أدرك الحاكم الجديد خطورة تلك المؤسسة فعمل على احتوائها والسيطرة عليها هو وخلفاؤه الذين جاءوا من بعده. ولم يختلف الأمر كثيرا بعد ثورة عام 1952. وكتاب الدكتورة ماجدة على صالح «الدور السياسى للأزهر»، الذى أصدره مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد فى جامعة القاهرة يؤرخ لتلك المرحلة بشكل مفصل، خصوصا أنه يغطى السنوات ما بين عامى 1952 و1981. وعقب ثورة يناير 2011 قام الأزهر بجهد معتبر فى تحقيق الإجماع الوطنى من خلال بعض المبادرات، إلا أن بعض العناصر والشخصيات السياسية حاولت استدراجه لكى يصبح طرفا فى التجاذب السياسى، إذ ذهب إلى المشيخة قبل أسابيع نفر منهم عقب حادث تسمم طلاب مدينة البعوث الإسلامية، مدعين أن ثمة «مؤامرة» ضد شيخ الأزهر من جانب الإخوان، وأنهم جاءوا للتضامن معه فى مواجهة تلك «الهجمة»، إلا أن الشيخ لم يتجاوب مع رغبتهم وفوت على القادمين مسعاهم الذى أرادوا به إدخاله فى لعبة التجاذب ودفعه إلى الاشتباك مع الإخوان، ولا أستبعد أن يكون هؤلاء على دراية بأن الإمام الأكبر يقف على مسافة منهم، وأن علاقته بالإخوان لم تكن إيجابية دائما. وكان ذلك واضحا أثناء رئاسته لجامعة الأزهر، حين أثيرت مسألة ما سمى بميليشيات طلاب الأزهر الإخوانية (عام 2006)، التى تعامل معها الدكتور أحمد الطيب بشدة لم يكن الموقف يقتضيها. وسواء تم ذلك استجابة للضغوط الأمنية أو تأثرا بخلفيته الصوفية كواحد من أقطاب الطريقة «الخلوتية» التى تقودها أسرته فى صعيد مصر، فالشاهد أن ذلك أسهم فى توسيع الفجوة بينه وبين الإخوان.

 

لا أعرف إلى أى مدى أثرت تلك الفجوة فى علاقة الشيخ بالسلطة القائمة فى مصر التى يعد الإخوان طرفا أساسيا فيها. إلا أن المراقبين يستطيعون أن يرصدوا بعضا من أصدائها، خصوصا حين جاء الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد ضيفا على القاهرة، وفوجئ الجميع بأنه هوجم وجرى إحراجه حين زار شيخ الأزهر. وليس بمقدورى أن أعرف مدى إسهام تلك الخلفية فى الدعوات التى وجهت إلى الشيخ لزيارة بعض الدول الخليجية المستاءة من الثورة والأشد استياء من الإخوان. إلا أننى أزعم أن السلطة فى مصر إذا كانت قد حاولت فى الماضى استخدام الأزهر للقيام بدور فى الخارج فضلا عن الداخل، فإن الدعوات الخليجية المتلاحقة التى وجهت لشيخ الأزهر تمثل تطورا جديدا وغير مسبوق، يحاول من خلاله الخارج أن يوظف الأزهر للقيام بدور فى الداخل، وهو استنتاج أرجو أن تثبت الأيام أنه ليس صحيحا.

 

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.