الاستبداد بين الأخلاق وشخصية الطاغية! - رجائي عطية - بوابة الشروق
الإثنين 30 مارس 2020 12:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الاستبداد بين الأخلاق وشخصية الطاغية!

نشر فى : الأربعاء 12 فبراير 2020 - 11:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 12 فبراير 2020 - 11:05 م


مما شدَّنى فى مدائن العقاد وعالجته فى المجلد الأول لمدينته خواطره فى الاخلاق حول شخصية طاغية، وهو خط ملحوظ فى اتجاهات الأستاذ العقاد الفكرية، وعلى رأسها تشيعه للحرية، وللجمال، ورفضه لكل صفوف الاستبداد.
وأصل ما كتبه الأستاذ العقاد، كان مقالا لجريدة البلاغ نشر فى 13 أكتوبر عام 1925، وشخصيته الطاغية التى دار حولها المقال هى شخصيته الطاغية قيصر بورجا أو بورجيا فى بعض القراءات، ويبدو أن الذى فرض أو استحضر التعرض لشخصيته فى ذلك التوقيت، أن القاهرة شهدت فى تلك الأيام ــ وكما ذكر العقاد فى الحاشية ــ رواية عن هذا الطاغية، من تأليف الكاتب الشهير رافاييل ساباتينى» (1875/1950) ــ اسمها الأصلى «حياة سيزار بورجيا» ــ وعرضت آنذاك ولأول مرة على مسرح رمسيس قبل أسبوع من كتابة العقاد لهذا المقال.
يقول العقاد إن هذه الشخصية: شخصية قيصر بورجا أو بورجيا، من الشخصيات العجيبة التى ظهرت فى إيطاليا فى عصر النماذج النادرة من رجال السيف والريشة والقلم، ذكر منهم «ليوناردو دافنشى» الذى كان يترك المدينة تحترق تحت عينيه وهو مشغول بالنظر إلى السماء لرصد حركات الطيور، و«مايكل آنجلو» الفنان الذى كان يخلق العمالقة فى الأبدان والصروح، و«سافا ترولا» الذى كان يبغض الفن الجميل حبًّا للتقشف واحتقارًا لهذا العالم الفاتن المطرود من رحمة الله، و«كولمبس» الذى كانت تضيق به الأرض لأنه يبتغى طريقًا إلى الغرب من بحر الظلمات، ينشد الهند فتعثر قدماه بعالم جديد، و«مكيافيلى» صاحب كتاب الأمير الذى جعل يبشر الملوك والأمراء بدين الفتك والقسوة وكتاب الخديعة والنفاق!
أما «قيصر بورجا» فكان نموذجا فريدًا غامضًا يستحق أن يكون طرفة من طرف الفن إن لم يكن رجلا من رجال التاريخ.. وسيمًا رشيقًا قويًّا يحسن الرقص ويركب الخيل ويصارع الثيران ويتلهى فى ساعات الفراغ بطى قضبان الحديد بين يديه! وكان فارسًا شجاعًا وسائسًا حصيفًا فى الإدارة والتصريف، ولكنه كان إلى جوار هذا «قاتلا» «مجرمًا» بفطرته، يقتل فى هدوء وراحة بال، كإجرام الذئب والثعبان، وكإجرام السيف الذى يقطع الأعناق والفأس التى تهشم الرءوس، وبلا أى تبكيت للضمير.. قتل أخاه على أثر ليلة راضية قضياها عند أمهما، وقتل زوج أخته وقيل إنه قتله وقتل أخاه من قبله لأنهما كانا يقاسمانه سرير تلك الأخت. (وتوجد رواية أخرى أنه قتله بتحريض أبيه الكاردينال لرفض أخته الطلاق من زوجها هذا انصياعًا لرغبة أبيهما فى تزويجها من أحد أبناء العائلات الضخمة).. وكان بورجا عبدًا مخلصًا لمطامعه، مجرمًا مطبوعًا شديد الضراوة، ويقال إن صفات «الأمير» فى كتاب «مكيافيلى» مستوحاة من شخصية قيصر بورجا صاحب التاريخ الأسود الذى ينضح بشتى ألوان الشرور!.
إلاًّ أن المؤلف الذى أظهره على المسرح، أراد أن يمحو من تلك الصورة التى حفظها التاريخ ــ بعض الظلال، وأن يصقل سوادها بصقال المعاذير، فكان «قيصر بورجا» الذى أنشأه المؤلف رافاييل ساباتينى فى رواية «الطاغية»، خلقًا آخر غير الذى أثبته التاريخ، ويرى الأستاذ العقاد أن هذا المؤلف «الطيب» لم يُرزق من خصب الخيال وصدق الفراسة ما رُزقه زميله الكاتب الروسى «مرجكفسكى» الذى ألهمته البداهّة والذوق الفنى ما لا تلهمه «الأخلاق» والمدارة لساباتينى. هذا المؤلف الروسى الذى جاء تجسيده لكل من «بورجا» و«ميكيافيلى» أكثر اتقانا وصدقا.
* * *
بيد أن «أناتول فرانس» أستاذ الشكوكيين وشفيع النقائص فى زمانه، يرى أن «بورجا» هذا، بكل ما فيه، موجود فى مكان مخبوء فى كل إنسان. كالظلم فى طبائع الأحياء. القوة تظهره والضعف يخفيه. وأن البورجيين، أسرة بورجا التى ارتكبت كثيرًا من الفظائع، لم يكونوا من أعاجيب الخلق بمعنى الكلمة، وما كان بهم آفة «دخيلة»، ولم يختلفوا فى شعورهم عن أبناء جيرانهم «سافيلى» و«جاتيانى» و«أورسينى» الذين كانوا يعيشون حولهم، وإنما كانوا خلائق عنيفة فى إبان عنفوان الحياة، وكانوا يشتهون كل شىء وما كانوا فى هذه الخلة إلاَّ من بنى الإنسان!!
أفكذلك الإنسان حقًّا؟ إن الرأى المستخلص من مقالات «أناتول فرانس» شبيه بالنغمة التى أذاعتها فى هذا الزمان العقول المستنيرة (؟!) التى أطفأت كل نور غير ما تسميه نور العلم الحديث!!
فالقول الفصل عند جمهورهم آنذاك ــ أن الأخلاق «طوارئ» لا أساس لها غير العرف، بل هى ضعف تبرأ منه الطبائع القوية والإرادة السليمة.. وكأن الحصاد أو النتيجة أن الحياة الصحيحة «غير خلقية» بطبيعتها، وأن الضعف والمرض والآداب الخلقية متزاملة بطبيعتها!!
لا! ليس «قيصر بورجا» بالمثل الشائع للنفس الإنسانية، وليس من الطبيعة الصحيحة أن يتجرد الإنسان من العطف بينه وبين الطبائع الأخرى حين تتاح له أسبابه.
إننا نصون الحياة ونحبها لأننا مقيدون بواجبها. وما دامت للإنسان حياة فَعَلَيْه
واجب , وما دامت تحيط به فى هذه الأرض قوة أكبر من قوته وحياة أكبر من حياته فَعَلَيْه ــ شاء ذلك أو لم يشأ ــ واجب فوقه ومثل عال أعزّ من الحياة.
* * *
أما الحرية، والجمال فى الحياة والفن، فقد كتب فيه الأستاذ العقاد ــ لجريدة البلاغ أيضًا، مقالا نشر فى 12 مايو بذات عام 1925، أعقبه بمقال فى الأسبوع التالى عن رأى شونبهور فى معنى الجمال، ثم بمقال ثالث فى الأسبوع التالى عن أصل الجمال فى نظر العلم.
ويرى الأستاذ، أن معنى الجمال واحد فى الحياة والفن، لا يختلف فى جوهره وإِنْ اختلف فى أوصافه ومظاهره، وهو رأى كان الأستاذ العقاد قد ألمح إليه فى مقدمة «المطالعات»، فوافقته آراء، وخالفته أخرى، وكان من المخالفين الأستاذ ميخائيل نعيمة الأديب العربى المعروف، وسنقرأ عنه كثيرًا عند التعرض لكتاب «الديوان» وقضية التجديد فى الشعر العربى. أرسل إليه الأستاذ نعيمة خطابًا برأيه من الولايات المتحدة حيث كان يعيش آنذاك، أبدى فيه أنه يجارى الأستاذ العقاد فى نظرته للحياة نظرة فنية ويخالفه إلى حد، ووجه مخالفته أنه يرى أن تسامى الفن يظل مقيدًا بالمحسوسات، ولا يكون فنًّا إلاَّ متى اتخذ له شكلا محسوسًا. غير أن فى الحياة ما نشعر به ونعجز عن تأديته بكل ما لدينا من وسائل البيان الفنى. فأى فن يستطيع أن يصور له خطرات الفكر، بل تموجات الحب والبغض والإيمان والشك فى قلب بشرى واحد؟ فإذا كان فى الحياة البشرية وحدها ما هو أبعد من الفن وقوته، فكيف بالحياة الشاملة.
ذكر الأستاذ العقاد أنه أجابه حينها بخطاب أبدى فيه أن اعتراضه الذى أبداه على «وحدة المعنى» فى الحياة والفن، قد يكون وجيهًا حاسمًا لو أنه زعم أن الحياة فن إنسانى يخلق الإنسان ما فيه من تموجات الحب والبغض والإيمان والشك.
ويستطرد الأستاذ العقاد ليبين أكثر ما الذى أراده بوحدة الفكرة فى الحياة والفن.. من ذلك أولا أن الحرية فى رأيه هى العنصر الذى لا يخلو منه جمال فى عالم الحياة أو عالم الفنون، وأننا مهما بحثنا عن مزية تتفاضل بها مراتب الجمال فى الحياة، لن نجد إلاَّ مزية «حرية الاختيار» التى يتفاضل بها الناس وفق مراتب الكمال والفهم فيهم وبها يفضل غيره فى عالم النبات والجماد..
فكرة الجمال فى الحياة هى بعينها فكرة الجمال فى الفنون. فلا فن بغير تطلع، ولا تطلع بغير حرية، ولكن ينبغى أن نذكر أن الحرية تستلزم المنع، وأن الجمال هو غلبة الحرية على القيود أو هو ظهور الحرية بين الضرورات، ولا يدخل فى ذلك الفوضى التى لا يمازجها نظام ولا يحيط بها قانون.

Email:rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com

التعليقات