هرولة المأزومين - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 11:15 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

هرولة المأزومين

نشر فى : الثلاثاء 12 يوليه 2016 - 9:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 12 يوليه 2016 - 9:25 م
بين سيل التعليقات الإسرائيلية على الزيارة الحميمة لوزير الخارجية المصرى «سامح شكرى» عبارة لافتة نظرت إليها كنوع من الاعتراف بالدولة العبرية كـ«دولة إقليمية عظمى».

ذلك الاستخلاص لا يمكن نفيه على أى نحو أو التقليل من خطورته بأية حسابات لها صلة بالأمن القومى ومستقبل الدور المصرى فى إقليمه.

بالنظر إلى الإقليم وحروبه وأزماته يبدو مثيرا أن ثلاث دول رئيسية ومؤثرة فيه، تركيا والسعودية ومصر، تقدمت بالتزامن لمد جسورها مع إسرائيل بطرق مختلفة دون أن تقدم الأخيرة أية تنازلات، كأنها جوائر مجانية هبطت عليها دون أدنى استحقاق.

بمعنى آخر اكتسبت حكومة «بنيامين نتنياهو»، أكثر الحكومات الإسرائيلية عنصرية وتشددا، أوضاعا جديدة تؤهلها للعب أدوار رئيسية فى أية ترتيبات إقليمية منتظرة بعد تسوية الأزمة السورية وحسم الحرب على «داعش» بصورة مباشرة لا بضغط من خلف الأبواب عبر وكلاء.

بالحسابات التركية فإن أوضاعها الداخلية المتردية، التى تهدد وجودها كدولة موحدة بأثر العنف المزدوج الذى تتعرض له من «داعش» و«حزب العمال الكردستانى»، دعتها فى توقيت واحد لطى أزمتيها مع «موسكو» و«تل أبيب».

الأولى، باعتذار واضح عن إسقاط طائرة الـ«سوخوى» الروسية بالقرب من الحدود التركية مع سوريا والتعهد بفتح تحقيق مع الذين تورطوا فى الحادث الذى أفضى إلى توتر حاد مع موسكو كانت تأثيراته الاقتصادية سلبية وتداعياته الاستراتيجية منذرة.

والثانية، بتجاوز ملف الاعتداء العسكرى الإسرائيلى على «أسطول الحرية» بالقرب من شواطئ غزة، الذى ذهب ضحيته نشطاء أتراك ودوليون، دون أية تنازلات إسرائيلية ترفع الحصار عن غزة على نحو جدى وفق ما كان يطالب به الرئيس التركى «رجب طيب أردوغان» طوال سنوات الأزمة.
بكلام آخر فإن الاعتبارات العملية لتركيا المأزومة دعت إلى طرق الباب الإسرائيلى لاستعادة مستويات التعاون الاقتصادى والعسكرى والاستخباراتى السابق.
فى حساباتها أن تل أبيب قد تساعد على تخفيف الضغوط الغربية بملفات الحريات الصحفية والتضييق على المعارضين بخاصة الأقلية الكردية الكبيرة نسبيا.
أرجو أن نتذكر أن شعبية «أردوغان» فى العالم العربى اكتسبها من عاملين رئيسيين.
أولهما، اصطدامه بالسياسة الإسرائيلية بشأن غزة، التى وصلت قمة زخمها بانسحابه من منصة «دافوس» فى حضور الرئيس الإسرائيلى السابق «شيمون بيريز».
وثانيهما، إنجازه الاقتصادى، الذى أعطى رسالة قوية بإمكانية بناء نموذج ناجح لإسلام سياسى معتدل، وهو ما دمره بعصبيته الزائدة وعدم اعترافه بشرعية (٣٠) يونيو وإرادتها الشعبية التى أطاحت بجماعة الإخوان المسلمين من السلطة.
من غير المستبعد، وفق تصريحات رسمية، أن تسعى تركيا لخفض التوتر مع القاهرة وإدارة الأزمة بطريقة جديدة لا تنهيها تماما، فالملفات المعلقة بالغة التعقيد، تحت سقف لا تتجاوزه فى انتظار تحولات الإقليم وحقائقه المتحركة.
بتلخيص ما تبرر البرجماتية التركية نفسها بأزماتها الداخلية المستحكمة.
بقدر آخر تفسر الأزمات الداخلية السعودية النزوع المعلن لمد الجسور مع إسرائيل والهرولة إليها بصورة غير مسبوقة.
ما كان يجرى فى الظلال بات تحت الأضواء والاتصالات العسكرية والاستخباراتية تجرى دون إخفاء.
هناك أكثر من وجه للأزمة السعودية.
الأول، التعثر العسكرى الفادح فى حسم الصراع اليمنى وإخفاق المباحثات بين الفرقاء اليمنيين تحت إشراف أممى فى الكويت.
والثانى، الإخفاق شبه الكامل لاستراتيجيتها فى الأزمة السورية وتراجع مكانة أنصارها على الأرض بأثر تقدم الجيش السورى تحت مظلة جوية روسية وتوجه القوى الدولية الكبرى لاعتماد المزاوجة بين المسار السياسى والحرب على «داعش» خشية اتساع العمليات الإرهابية داخل عواصمها وتفلت موجات المهاجرين من مواقع الموت فى سوريا بما هو فوق تحمل أوضاعها الداخلية.
والثالث، قرب تحرير الموصل، المدينة العراقية الثانية، من «داعش»، وذلك يعنى ارتفاعا فى منسوب القوة الإيرانية بتحالف مع الولايات المتحدة، حيث يراهن «باراك أوباما» على شىء من الحسم قبل انتهاء ولايته حتى لا يلحق بسجله الرئاسى الفشل الكامل على مواجهة «داعش».
والرابع، اتساع نطاق الإرهاب داخل الأراضى السعودية، وهو يؤشر لأيام صعبة مقبلة دون توافر غطاء مناسب من الدعم الدولى.
والخامس، أزمة وراثة العرش بعد الملك «سلمان».
الأمريكيون يفضلون ولى العهد «محمد بن نايف» لخبرته الأمنية الكبيرة وعلاقاته القديمة بدوائر القوة والنفوذ على ولى ولى العهد «محمد بن سلمان» الذى يطمح لإزاحة الأول وخلافة والده.
من بين أسباب الزيارة الأمريكية الطويلة التى قام بها «بن سلمان» تقديمه لتلك الدوائر عن قرب.
ومن بين أسباب الضغوط السعودية بالورقة الاقتصادية على النظام المصرى للتخلى عن جزيرتى «تيران» و«صنافير» ترميم صورة «بن سلمان» بعد تعثر عملية «عاصفة الحزم» التى يتحمل مسئوليتها.
تلك حسابات مدمرة لأى تطلع سعودى للعب أدوار مركزية فى الإقليم.
فلا يمكن لاستراتيجية «توسيع كامب ديفيد» بنقل الالتزامات الأمنية من مصر إلى السعودية فى «تيران» و«صنافير»، ولا لبناء منطقة اقتصادية حرة على الجزيرتين تدخل إسرائيل طرفا مباشرا فيها مع البلدين العربيين، أن يؤسسا لأى دور له صفة التأثير والاحترام فى العالم العربى، بالإضافة إلى أنه يضع المملكة فى خصومة لا لزوم لها ونتائجها مدمرة مع الشعب المصرى.
بأى حساب السعودية تخسر وإيران تكسب ومصر تتضرر بقسوة.
الكلام عن دور مصرى لإحياء عملية السلام تبريرا لزيارة وزير الخارجية أقرب إلى الأوهام المحلقة.
حكومة «بنيامين نتنياهو» ليست فى وارد أية تنازلات عن أية أراضٍ فلسطينية، بل إنها أعلنت نيتها ضم الجولان السورية.
كما أنها أعلنت بوضوح رفض المبادرة العربية التى تقضى بسلام شامل مقابل انسحاب كامل من الأراضى العربية التى احتلت عام (١٩٦٧)، وأية مبادرة أخرى كـ«المبادرة الفرنسية» تستند على المرجعيات الدولية، كما مانعت فى «حل الدولتين» ولم تخف ضجرها من أية انتقادات أوروبية للتوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية.
بصورة أخرى إذا كانت الجوائز الإقليمية تهبط عليها مجانا فما الذى يدعوها لأية مفاوضات مع الفلسطينيين الممزقين سياسيا والعرب المهرولين إلى أبوابها.
إذا أردنا أن نواجه أنفسنا بالحقائق فـ«نتنياهو» يتحمس لما توصف بالمبادرة المصرية لأنه لا توجد مثل هذه المبادرة.
الكلام عمومى لا يلزمه بأية تنازلات مقابل «السلام الدافئ» والتعاون الأمنى فى سيناء لا يبرر التنازل فى الدور.
نحن أمام أزمة مصرية تتعدد وجوهها الداخلية والإقليمية والدولية تتصور أن مد الجسور مع إسرائيل يساعد على بناء موقف تفاوضى أفضل فى أزمة «سد النهضة» بعد جولة «نتنياهو» الأفريقية وطى صفحة الخلاف بين أنقرة وتل أبيب وخفض حدة الانتقادات الدولية لسجل الحريات العامة وحقوق الإنسان التى وصلت ذروتها فى تداعيات مقتل الباحث الإيطالى «جوليو ريجينى».
زيارة «سامح شكرى» بتوقيتها تعبير صريح عن فشل إدارة العلاقات مع أفريقيا وتعثر ملف «سد النهضة» إلى حد طلب المساندة الإسرائيلية، وسوف يكون الثمن باهظا.
كما أنها تعبير ثانٍ عن غياب أية استراتيجية شبه متماسكة لإدارة الأزمة مع تركيا تضفى الثقة على إدارة ملفات السياسة الخارجية.
القلق الزائد بذاته تعبير ثالث عن هشاشة الموقف الداخلى، ومصر المأزومة تحتاج التماسك على أسس حقيقية لا الهرولة وراء الأوهام المنهكة.