هل الإسلام هو البداية والنهاية؟ - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 10:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


هل الإسلام هو البداية والنهاية؟

نشر فى : الخميس 12 أغسطس 2021 - 8:30 م | آخر تحديث : الخميس 12 أغسطس 2021 - 8:30 م

فى أحاديث الصيف الخفيفة التى نسميها «تسالى»، يتبادل الأصدقاء حكايات وطرائف وغرائب، على وسائل التواصل الاجتماعى، وفيما بينهم، بعضها من تجاربهم الشخصية، والأخريات منقولة من مشارق الأرض ومغاربها، يتناولون فيها ذكرياتهم وطموحاتهم وآمالهم وآلامهم أيضا، والهدف منها نقل التجارب والعظات للأصدقاء وللمعارف لاستخلاص الفوائد منها.

ومن هذه الأحاديث أن نشر أحد الأصدقاء على صفحته مقالا لطبيب سودانى بعنوان: «هل أنا حرامي؟»، ذكر فيه الطبيب موقفين مرّ بهما أثناء دراسته فى أوروبا، وعن الموقف الأول كتب: «كان عندى امتحانات للطب فى إيرلندا، وكانت رسوم الامتحان 309 جنيهات، ولم يكن لدى فكة، فدفعت 310، المهم امتحنت وانتهيت من الامتحان ومضت الأيام ورجعت للسودان، وإذا برسالة تصلنى من إيرلندا جاء فيها: «أنت أخطأت عند دفع رسوم الامتحانات حيث إن الرسوم كانت 309، وأنت دفعت 310، وهذا شيك بقيمة واحد جنيه، فنحن لا نأخذ أكثر من حقنا»، مع العلم أن قيمة الظرف والطابع أكثر من هذا الجنيه!!».
وعن الموقف الثانى كتب: «وأنا أتردد ما بين الكلية والسكن كنت أمر على بقالة تبيع فيها امرأة الكاكاو بسعر 18 بينس، وفى إحدى المرات، رأيتها وضعت رفا آخر لنفس نوع الكاكاو ومكتوب عليه 20 بينس، فاستغربت، وسألتها هل هناك فرق بين الصنفين؟، قالت: لا، نفس النوع ونفس الجودة، فقلت إذا ما القصة؟!، لماذا سعر الكاكاو بالرف الأول بـ18 وفى الرف الآخر بـ20، قالت: حدث مؤخرا فى نيجيريا التى تصدر لنا الكاكاو مشاكل، فارتفع سعر الكاكاو، وهذا من الدفعة الجديدة نبيعها بـ20 والقديم بـ18، فقلت لها إذا لن يشترى منك أحد سوى بسعر 18 حتى نفاد الكمية، وبعدها سيأخذون بسعر 20، قالت: نعم، أعلم ذلك، قلت لها: إذا أخلطيهم ببعض، وبيعهم بنفس السعر الجديد 20، لن يستطيع أحد التمييز بينهم، فهمست فى أذنى وقالت: هل أنت حرامى؟، استغربت لما قالته ومضيت، ومازال السؤال يتردد فى أذنى، «هل أنا حرامى»؟!
ويُنهى الطبيب حكايتيه بالتعليق التالى: «أى أخلاق هذه؟!، الأصل أنها أخلاقنا نحن، أخلاق ديننا، أخلاق مبادئنا، أخلاق علَّمنا إياها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم».. وفى ختام مقاله استشهد بقول الداعية الهندى أحمد ديدات: «نحن لسنا متخلفين عن الغرب، ولكن متخلفين عن الإسلام، وما تخلفنا عن العالم إلا بعد تفريطنا فى ديننا»، ونستنتج من هذا الاستشهاد أن الطبيب يرى أن المرجعية الوحيدة للسلوكيات الحميدة، وللأخلاقيات القويمة هى فى الإسلام فقط!

هذا هو منهج فلاسفة الجماعات الدينية، وعلى رأسهم مُنظّر جماعة الإخوان «سيد قطب»، وذلك عندما طرح نظريته «جاهلية القرن العشرين» التى دعا فيها العودة إلى القرن السادس عشر، وإلى «الحاكمية»، حيث لا يجب أن نحتكم فى حياتنا إلا إلى نصوص دينية، وإلى آراء الفقهاء الأولين التى لا يمكن أن نجد فيها حلولا لمستحدثات الأزمنة المتغيرة، ولتطورات الحياة البشرية، فمن كان يتخيل «الإنترنت» ونقل أعضاء الإنسان من خمسين عاما، والطائرات والصواريخ وغزو الفضاء من مائة عام؟! فهو لم يُعطِ أى اعتبار إلى أن الدين الإسلامى فيه «ثوابت» كأركانه الخمسة، وكذلك فيه «متغيرات» تسمح للإنسان بالتدبر والتفكر لمواكبة حياته الروحية مع متطلباته المادية دون الإخلال بالثوابت، هكذا اعتبر سيد قطب الإسلام هو «البداية والنهاية!».
•••
والسؤال الذى أطرحه على صاحب الروايتين السابقتين، وعلى أتباع سيد قطب ومن شابَهَه فى الفكر، وعلى كل من جعل الدين الإسلامى أو أى دين آخر «بداية ونهاية» الكون: «وماذا كان العالم قبل الإسلام الذى بُعث به النبى محمد عليه الصلاة والسلام فى القرن السادس الميلادي؟، وماذا كان العالم قبل مولد المسيح وموسى وحتى قبل نوح وابراهيم عليهم جميعا السلام؟، هل كان العالم عَدَما، بلا أخلاق ولا قيم ولا عقائد؟، هل كان الناس جميعا ــ فى كل العصور، وكل الأماكن ــ يعيشون فى فساد وظلام وضلال وجهل منذ أن خلق الله الكون؟»، لقد تجاهل سيد قطب ــ على سبيل المثال ــ حقيقة أن ورقة بن نوفل القرشى كان مُوحدا قبل بعثة النبى، وهو مَن أقر لمحمد بالنبوة، وقال له «هذا الناموس الذى أنزل الله على موسى»!

وكذلك نَسِيَ أصحاب هذا الفكر أن الله عندما خلق آدم ــ الإنسان الأول ــ علمه أسماء الأشياء، وعلمه الإيمان به، وبأن «إبليس» عدو الإنسان، وعلمه الفضيلة، وطلَب المغفرة، وعلمه كيف يدفن جثته بعد الموت.. فالأخلاق والقيم والعقيدة السليمة التى تدعو بالتوحيد ليست وقفا على دين بعينه، ولكنها سلسلة وحلقات من الرسائل السماوية ساهم فيها كل الأنبياء، وشارك فيها أيضا المفكرون والفلاسفة والحكماء من البشر!
الحقيقة التاريخية الغائبة عن الكثيرين تؤكد أن الذين يؤمنون بوجود الله، وبقدراته وبعدالته وبقوته... وبكل الصفات الحميدة والمطلقة التى نزلت فى توصيفه لذاته العليا «التسع والتسعون» فى القرآن الكريم هم كُثُر ينتشرون فى كل البقاع، وكل العصور منذ أن خلق الله الأرض، وليس المسلمون فقط، ولا المسيحيون فقط، ولا اليهود فقط الذين يدعون أنهم «شعب الله المختار»، وحتى نعترف بهذه الحقيقة سيظل ــ لدى كل من يشعر بأنه الأفضل ــ الإحساس بالفوقية على الآخرين، ورفض الآخر، وهذا جوهر التعصب والعنصرية، ومنبع العنف، وهذا ضد مفاهيم كل الديانات السماوية، ومنها الإسلام الذى يدعو إلى التواضع، وقبول الآخر والتعايش معه واحترامه، فعلى سبيل المثال أباح الإسلام للمسلم الزواج (أسمَى علاقة إنسانية) من أصحاب الديانات السماوية الأخرى، وسمح بأكل ما يأكلونه وما يذبحونه.

هكذا علمنا النبى فى خطبة الوداع: «يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم».. فضلا عن أن سنة الحياة قامت على الاختلاف والتنوع فى الشكل وفى الأصل وفى العرق وفى الفكر وفى العقيدة وفى الرأى، كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»، فهذا ميزانٌ لا يخطئه العدل، ويحُثنا ــ فى علاقاتنا التى يكتنفها كثيرٌ من التجافي ــ على إدانة العنصرية للأفراد وللمجتمعات، نرى البعض يُزكى نفسه، وعائلته فى صورٍ تستفز البغضاء، وتحرك دواعيها تَعَالِيِ الإنسان على أخيه المتماثل معه تماما فى الخلقة الأولى!
•••
كما يؤكد واقع التاريخ الإنسانى أن الفضل الأكبر لإصلاح النفس البشرية، وتعميم المبادئ الإنسانية النبيلة لم يأتِ من الديانات السماوية فقط، وإنما إصلاح النفس البشرية الحقيقى قام بجزء كبير منه فلاسفة العصور القديمة والحديثة، وكان من أهمهم حديثا ــ فى القرن الثامن عشر وبعد فصل الكنيسة عن الدولة، وانطلاق حرية الفكر والبحث بدون التخوين أو التكفير ــ الفلاسفة فولتير وروسو وهيجل وكانط.. وهذا الأخير هو الذى ابتكر مفهوم «الضمير» الذى يقضى بأن يحاسب المرء نفسه بنفسه، فقضى بذلك على «صكوك الغفران» فى المسيحية، ولم يعُد الإنسان فى حاجة لإنسان آخر يطلب منه الوساطة لطلب المغفرة، وإنما أصبح طلبها يأتى مباشرة من الإنسان إلى الله، بعد أن يعترف الإنسان بخطئه، ويتعهد على نفسه بأنه لن يُكرر خطأه مرة ثانية، ويبلغ الإنسان أعلى درجاته إذا استطاع الاعتراف بخطئه لمن أخطأ فى حقه، ورد له اعتباره أو حقه!
ومن هنا أصبح إصلاح النفس البشرية يأتى من مفهوم «الضمير»، أى محاسبة النفس بالنفس لذاتها، وليس من الاعتراف لشخص آخر يقوم بالوساطة بينه وبين الله، أو بشراء المغفرة بصكوك يدفعها فى سبيل الحصول على قطعة من الجنة، ونفس المفهوم فى الإسلام، كمن يقومون بتكرار تأدية فريضة الحج طلبا للمغفرة كل مرة، علما بأن نبى الإسلام عليه السلام أدّاها مرة واحدة فى حياته، ولم يدعُ لتكرارها، ولكنه دعا الناس للعمل الصالح وبالتصدق للفقراء وللمحتاجين وللمساكين كوسيلة هامة للتكفير عن ذنوبهم!

وأخيرا نقول إن الكلام الذى طرحه شقيقنا الطبيب السودانى شاهده وعايشه كل من جاءته فرصة الإقامة فى أوروبا، ولكن ما نعتَرِض عليه ــ وهو للأسف فى يقين كثير من المسلمين فى عصرنا الحاضر ــ هو أن المبادئ الإنسانية الراقية والأخلاق القويمة والسلوكيات النبيلة منبعها الإسلام فقط، وهذا غير صحيح بالمرة، وإنما هى مبادئ دعا إليها كل الأنبياء والرسل السابقين على النبى محمد عليه الصلاة والسلام، كما دعا إليها فلاسفة من أصول غير عربية وغير شرقية، وبعيدة عن الأديان السماوية مثل الفيلسوف الصينى كونفوشيوس قبل ميلاد المسيح عليه السلام بخمسمائة عام، ومن بعده الفلاسفة اليونانيون سقراط وأفلاطون ثم أرسطو، وهم أيضًا قبل الميلاد بأربعمائة عام!

وخلاصة القول إن الإسلام جاء «ليتمم مكارم الأخلاق»، ولم «يُنشئها» من العدم، فقد أقر كل ما هو سليم وسابق عليه، وهو الغالب الأعم فى تاريخ البشرية، واستنكر ورفض ما يُخالف الفطرة الإنسانية، أى أنه قام بتثبيت ما سبق عليه مع بعض الإصلاحات أو التعديلات، كما ترك للإنسان مساحة كبيرة للاجتهاد.
والله أعلم.

أكرم السيسى أستاذ متفرغ بكلية اللغات والترجمة (قسم اللغة الفرنسية)– جامعة الأزهر
التعليقات