مواجهة موضوع العلوم المهمل - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الخميس 24 أكتوبر 2019 12:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


مواجهة موضوع العلوم المهمل

نشر فى : الأربعاء 13 فبراير 2019 - 11:55 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 فبراير 2019 - 11:55 م

عبر القرنين الماضيين طرح العديد من المفكرين العرب موضوع الإصلاح والتجديد كمدخل لخروج أمتهم من حقبة التخلف الحضارى التى وصلت إليها. لقد كانت الحصيلة تقدما نسبيا، ولكن ملموسا، فى الأفكار والتنظيمات والإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لكن بقى مجال واحد جامد فى تخلفه ومهمل إلى حدود الفجيعة، وهو مجال العلم، سواء على المستويين المعرفى والتطبيقى، أو بالنسبة للأفراد والمجتمعات. يكفى أن يتابع الإنسان البرامج التليفزيونية والإذاعية العربية وأعداد الكتب العربية الصادرة سنويا فى مجال العلوم حتى يدرك مدى الإهمال الذى أصاب هذا المجال فى الحياة العربية.
وأيضا يكفى أن يطلع الإنسان على المستويات المتدنية للطلبة العرب فى امتحانات ومسابقات العلوم والرياضيات الدولية حتى يدرك المكانة المتواضعة لمناهج وتعليم العلوم والرياضيات فى مدارس وجامعات الوطن العربى. تلك الجهود المتواضعة فى نشر الثقافة العلمية، وفى ندرة وفقر مراكز البحوث العلمية والتكنولوجية هى أحد أهم أسباب العجز العربى أمام العلم الحداثى.
ذلك العجز يبدو جليا فى غياب المنظومة المتكاملة المطلوبة لترسيخ العلوم وتطبيقاتها فى المجال الاقتصادى، على سبيل المثال، حيث الحاجة لحلقات مترابطة من تعليم علمى جيد فى المدارس والجامعات، ومن مراكز بحوث متعمقة مبدعة منتجة للمعرفة، ومن شركات تساهم فى التمويل من جهة وتقلب نتاجات البحوث إلى إنتاج مادى ومعنوى يبنى اقتصادا تنمويا مستمرا من جهة ثانية.
يرافق ذلك شح معيب فى مقدار ما تصرفه الدولة العربية من ناتج الدخل الوطنى على الأبحاث، وهو مقدار ضئيل يضع العرب فى آخر قائمة الدول فى مجال البحوث.
كل ذلك أدى إلى تهميش أهمية إنتاج العلوم وتطبيقاتها فى عقل ووجدان الفرد العربى، وهو الأمر الذى يساهم فى جعله يقبع على هوامش العصر الذى نعيش، عصر الإنجازات المبهرة فى حقلى العلوم والتكنولوجيا بامتياز.
وبالطبع فعندما ينعدم التجذير والترسيخ للعلم، فكرا وإدراكا وتطبيقا، فى العقل والوجدان تصبح النشاطات الحياتية اليومية، على مستويات العائلة والعمل والعلاقات مع الآخرين والممارسة الدينية وغيرها، خاضعة للانفعالات والأساطير والأوهام، وبعيدة كل البعد عن استعمال المنطق والموضوعية وكل متطلبات العقلانية.
ومع الأسف فإن تلك العلاقة الملتبسة مع العلوم الطبيعية البحتة والرياضية لا يمكن إلا أن تعكس نفسها على التعامل مع العلوم الاجتماعية والإنسانية. هنا تتشابك هذه العلوم مع تاريخ تنخره ألف علة وعلة، ومع فقه دينى ما زالت تهيمن عليه اجتهادات وتصورات أزمنة مختلفة عن أزمنتنا، ومع مسلَّمات اجتماعية ثقافية قبلية تنتج سلوكيات غير منطقية وغير متوازنة، ومع مشاعر بالدونية تقف مبهورة بالعلم وحضارة العلم، ولكن عاجزة عن الانخراط فى إنتاجهما وفى تجديدهما.
فلا غرابة، إذن فى أن يكون إنتاجنا فى ساحات الفلسفة وشتى أشكال العلوم الاجتماعية والإنسانية وفى الأدب والفنون محدودا أو تقليدا للغير. ولقد قادنا ذلك الفقر فى ذلك الإنتاج إلى جعل أهم قضية فى حياتنا الحالية، قضية التحديث والحداثة والعصرنة، قضية خلافات وصراعات، وقضية قبول ورفض. والسبب هو أن البعض يريدها حداثة غربية بحتة، بينما المنطق يفرض أن تكون حداثتنا حداثة عربية ذاتية تنطلق من واقعنا، ومن نظرتنا الكلية للعالم، وتراعى ثقافتنا وآمالنا المستقبلية. وبالطبع فإن ذلك لا يجب على الإطلاق أن يتعارض مع الأخذ من والتفاعل مع حداثات الآخرين، سواء أكانت غربية أم كانت شرقية.
نحن نعلم أن ما نطالب به يحتاج إلى خروجنا أولا من الجحيم الذى تعيشه المجتمعات العربية حاليا، وأن إطفاء حرائق ذلك الجحيم له الأولوية القصوى. كما ندرك أيضا أن هناك متطلبات مجتمعية، من مثل وجود نظام ديمقراطى معقول يكفل احترام الحريات المدنية والأكاديمية والبحثية، ومن مثل ضبط ضرورى للشطط الدينى المتخلف الذى مارسه البعض عبر القرون وتنقيح للولاءات الفرعية القبلية والمذهبية البعيدة كل البعد عن المنطق والعلم، لكننا نعتقد أن هناك أدوارا للحكومات والمؤسسات التربوية ومراكز البحوث والمفكرين والمثقفين يمكن أن تساهم فى وضع المجتمعات العربية على العديد من الدروب التى ستؤدى إلى التوجه نحو حل معضلة المسألة التى طرحها الكثيرون ونطرحها فى مقالنا هذا.
فتح أبواب قلاع العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية أمام العرب أمر معقد، لكنه غير مستحيل، خصوصا فى عالمنا المتشابك والمتفاعل والمنفتح على بعضه البعض بصور لا حدود لها.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات