فى مديح الاستبداد! - أحمد عبدالعليم - بوابة الشروق
الأربعاء 7 يناير 2026 12:21 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

فى مديح الاستبداد!

نشر فى : الخميس 13 مارس 2014 - 5:35 ص | آخر تحديث : الخميس 13 مارس 2014 - 5:35 ص

تطرح ثورات الربيع العربى ضمن ما تطرحه من تساؤلات عدة، تساؤل متعلق بمدى قدرة تلك الثورات على بناء دولة بحجم تطلعاتها وتضحياتها، وبالتطبيق على ثورة يناير 2011 فى مصر، بدت الثورة أنها لم تكن بأى حال من الأحوال لحظة تأسيسية فارقة لدولة جديدة وأنها لم تكن سوى حلقة جديدة مكملة ضمن حلقات تعملق الدولة، التى أسستها ثورة يوليو 1952، وأن ما حدث فى 3 يوليو 2013 فى الشهر ذاته بعد مرور حوالى ستة عقود، لم يكون سوى تجديد ذكرى الدولة نفسها بشخوص آخرين.

•••

الأمن فى مقابل الحرية !

يتأرجح ويتضاءل الضى الخافت الذى أبرزته الثورة المصرية فى مواجهة الحرب الشرسة من «الظل» القديم، وذلك لأن الثورة خسرت كثيرا فى حرب أقحمت فيها، وهى حرب لم تكن لها فيها ناقة ولا جمل، حرب تقليدية بين القوى الظلامية فى مواجهة الحرس القديم وهى حرب شرسة باتت فيها الثورة مضطرة أن تدخل ضمن إحداهما رغم أنها طريق ثالث بشر ببديل غيرهما، بديل بين القوى الظلامية (المتأسلمين) وقوى الحرس القديم (رجال أعمال النظام القديم والدولة العميقة)، وهى الإشكالية المبكرة التى وقعت فيها الثورة أثناء جولة الإعادة فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتى كانت الثورة فيها فى مأزق كبير بين أن تنحاز لرجل مبارك «المرشح أحمد شفيق» أو لرجل الإخوان الضعيف «المرشح محمد مرسى»، ورغم أن معظم قوى الثورة قررت المقاطعة، فإن ذلك لم ينفِ المأزق الكبير التى عانت منه الثورة وما زالت. وبدت الثورة متواطئة منطوية، متواطئة مع عودة النظام القديم الذى قامت عليه بالأساس ومنطوية فى ركابه لا صوت لها، ولا وجود لها غير اسم يستخدمه كل من أراد تحقيق أهداف خاصة لم تكن بأى حال من الأحوال ضمن أهداف الثورة.

وبدت مصر تعيد إنتاج إشكالية الأمن فى مقابل الحرية، وهى الجزرة التى كثيرا ما منحها مبارك للمصريين فى مقابل أن يأخذوا من الحرية ما هو على هوى السُلطة فقط، وبات الإخوان حاليا فزّاعة جاهزة ومناسبة لكل مَن يعترض على الدولة الأمنية المتوغلة والمتوحشة، والتى بات البعض يبرر لها من أجل عدم عودة كابوس الإخوان، وأصبح لسان حال ــ بعض ــ المصريين أن كل الأمن أهم من كل الحرية، وأن المعادلة المثلى أن كل الأمن مع بعض الحرية، هو أمر مقبول، وهو ما أسس له نظام مبارك المخلوع فى ثلاثة عقود مضت من عمر مصر.

وبالتالى خرج علينا المُنظّرون والخبراء الاستراتيجيون، وهم باتوا ملايين عدة فى مصر، يبررون للاستبداد الواقع وربما للاستبداد المتوقع، ويبررون معالجة الخطأ ولو كان باستخدام الخطيئة، وذلك من أجل القضاء على دولة الإخوان، وأن على المصريين الصبر تحمُّل الظلم من أجل دفع خطر الإخوان الجاثم على صدور المصريين، ورغم أن خطر الإخوان رغم عبثهم أقل من خطر عودة الدولة الأمنية القديمة فإن المزاج العام، وفى ظل إعلام مدفوع متدافع مندفع فى سياق ما تكرسه الدولة الأمنية، بات متقبلا لما يحدث وأن يضحى ببعض حريته ولا يدافع عن حرية الآخرين فى مقابل عودة الأمن، كل الأمن.

•••

الخبز فى مقابل الكرامة!

فى الذكرى الثالثة لثورة 2011، باتت ما نادت الثورة فى مصر من مطالب متعلقة بالخبز والحرية والعدالة الإجتماعية، هى مطالب متناقصة ومتراجعة مع الوقت حتى بات آخر مطلبين ــ الحرية والعدالة الاجتماعية ــ ليسوا فى الحسبان وأن الأهم هو المطلب الأول، الخبز، حتى بدت الثورة وكأنها أحسنت اختيار الطريق، ولكنها أساءت اختيار الطريقة!

بعد ثلاثة أعوام على الثورة المصرية، بدت الثورة تنحسر ويتم تفكيكها من مطالبها المشروعة والشرعية لتنحصر فى استقطاب حاد بين مَن هو معنا ضد الإخوان ومَن هو مع الإخوان ضدنا، وتحوّل الصراع السياسى إلى صدام، وتحوّل الحراك السياسى إلى تحريك، وتحوّل الاختلاف إلى خلاف، وتحولت الثورة إلى مباراة صفرية يُهان فيها الإنسان بارتياحية مريبة!

ومع الوقت تجاوز الكثيرون التساؤل المتعلق بقيمة توفُّر الخبز إن كان دون كرامة، ولا يدرك الكثيرون أن طعم الخبز دون كرامة، مرُّ علقم، وأن الحياة الكريمة التى بشّرت بها ثورة يناير منذ ثلاث سنوات ليست أبدا بتلك الميكافيللية التى تبرر قتل وسجن وتعذيب الآخر طالما مختلفا أو طالما أن الخبز والأمن متوفران فإن الأعين لابد أن تبقى مغمضة. فى مصر بات الموت أسهل من الحياة!

وماذا بعد؟!

إذا كنا بصدد بناء دولة على أنقاض دولة الإخوان المفرغة من مضمون، والفارغة من أى تأثير، فعلينا أن نستفيد من أخطاء الإخوان وخطايا من سبقوهم، بأن بناء الدولة المأمولة لن يتأتى إلا باحترام الإنسان أيا كانت قناعاته طالما أنها لا تنحرف نحو العنف ولا تنجرف اتجاه نفى الآخر، وأن التخلص من خطر الإخوان لن يتأتى فقط بدولة أمنية قوية، ولكن أيضا بدولة تبنى الإنسان وتحترمه.

الاستبداد لا يخلق دولا قوية، بل يخلق دولا هشّة قابلة للسقوط فى أى وقت ــ دولة مبارك نموذج على ذلك وإن كانت سقطت سقوطا جزئيا ــ وإن كان الواقع فى مصر الآن مُحبِطا إلا أن الثورة تشبه الفعل المضارع تفيد التجدُّد والاستمرار، وأن الثورة متجددة وقابلة على التشكُّل وأن انكسارها ليس سوى تراجع لموجة واحدة فقط من موجاتها دون أن يعنى ذلك ثمة انحسار لها، وأن التاريخ ينبئنا بأن الموجات الثورية وإن تأخرت فإنها بالضرورة سوف تأتى ولو بعد حين، وأن طوفان الحرية سوف يقتلع كل نَبت غير صالح، لأن الثورة أمل، والأمل وحده مَن يصنع المستقبل.

أحمد عبدالعليم كاتب وباحث سياسي
التعليقات