القمة الصينية الأمريكية.. تأملات فى ظروف انعقادها - جميل مطر - بوابة الشروق
الجمعة 15 مايو 2026 12:32 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

القمة الصينية الأمريكية.. تأملات فى ظروف انعقادها

نشر فى : الأربعاء 13 مايو 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 مايو 2026 - 6:45 م

هذه القمة لعلها، إن سلمت من المفاجآت المثيرة، تسجل لنفسها صفة الحدث الأهم فى مرحلة دقيقة، مرحلة نودع فيها نظاما دوليا بسمات معينة ونستقبل نظاما دوليا آخر أزعم أنه سيكون بسمات شديدة الاختلاف. لذلك نتصور، بل ونأمل، أن تكون العقول السوية المتوافرة لدى الطرفين قد هيمنت خلال جهود الإعداد للقمة، عقول درست خلال فترة معتبرة المتغيرات الرئيسة التى أثرت وتؤثر فى سير العلاقات بين القطبين، وأهمها، وفى صدارتها كما لاحظنا، الحرص الصينى الشديد على استمرار التمسك بسياسات وقرارات تضمن التمهل فى اتخاذ خطوات نحو الاندماج فى نظام قطبى جديد مؤهل لقيادة العالم.

• • •

لاحظنا أمورًا أخرى جدير بنا كطرف ثالث الانتباه لها، وهو يستعد لاستقبال نجاح هذه القمة أو فشلها. كثيرة هى التطورات والمتغيرات المحيطة بانعقاد هذه القمة والمتوقع منها التأثير فى نتائجها، أختار فيما يلى بعضًا منها، البعض الذى أثار اهتمامى أكثر من غيره.

أولًا: جرى استثناء الاستعدادات الجارية منذ شهور عديدة للتحضير لهذه القمة من دور واضح أو صريح لأسماء أشخاص مرتبطين بالرئيس الأمريكى عائليًا أو لمصالح شخصية، مع العلم بأنهم لازموا معظم إن لم يكن كل الاتصالات أو المفاوضات التى جرت بين إدارة ترامب ودول وجماعات فى الإقليم. تشير أكثر هذه المفاوضات إلى أنها لم تحقق نجاحًا يذكر فاستحق هؤلاء المبعوثون أو المتفاوضون الشخصيون، حسب رأى سائد، صفة «مهرجو القصر» وفى رأى آخر «صيادو الصفقات».

ثانيًا: لم يمنع وجود هؤلاء الأشخاص جماعات المصالح التقليدية والطارئة من ممارسة ضغوطها على الجهة المنوط بها الاستعداد والتحضير لهذه القمة. تصدرت هذه الضغوط ضغوط من حكومة تايوان وجماعة المزارعين الأمريكيين وإسرائيل بمختلف أذرعها المندسة فى كل مكان فى النظام السياسى الأمريكى، وبقيت الصدارة المطلقة فى هذه الضغوط لمن يطلق عليهم الخمسة الكبار، وأقصد الخمسة المسيطرين على صناعة التكنولوجيا الأحدث والأكثر تطورًا والأهم دورًا بين جماعات الضغط.

ثالثًا: فى الوقت الذى لم يكن لدى الصين انشغال خارجى جاد وخطير يشتت جهود الإعداد المتوازن للقمة كانت الولايات المتحدة منشغلة كليًا بحرب ضد إيران دفعتها إليها إسرائيل بالاشتراك مع جماعة ضغط ما ظل لعقود يُعرف بالمجمع الصناعى العسكرى.

رابعًا: كالمعروف عن صنع السياسة فى الصين أتصور أن تستمر الأجهزة الصينية المخصصة للاستعداد للقمة تعمل ضمن قواعد ثابتة وأطر مؤسسية منضبطة وضغوط أغلبها مشتق من التزام بالمصلحة «القومية» العليا، وهو الالتزام الذى لازم أو التصق لزمن ممتد بالمصلحة الشيوعية العليا قبل أن ينفصل تحت مسمى «العقيدة الاشتراكية ذات الطابع الصينى»، كتعبير عن سياسات رأسمالية المضمون مطعمة بضمانات اشتراكية وخاضعة لرقابة حزب لا ينام حراسه.

وكالمعروف عن صنع السياسة فى عهد حركة «الماجا»، أو«أمريكا أولًا»، احتفظ الرئيس ترامب لنفسه بحق إدارة دفة الحكم تبعًا لمزاجه وتقلبات أهوائه ونزعاته الأقرب لنزعات المصابين بداء النرجسية المشبع بميول المتقدمين جدًا فى العمر وبعض السلوكيات غير الرشيدة.

خامسًا: أتوقع ارتباكًا شديدًا فى تصرفات الجانب الأمريكى خلال لقاءات القمة وفى رد فعل الجانب الصينى بتكرار مؤلم ومهين لما حدث خلال زيارة ملك بريطانيا للولايات المتحدة قبل أيام قليلة. لم أجد مبالغة فى حجم رد الفعل البريطانى لتجاوزات الرئيس الأمريكى خلال الزيارة الملكية سواء من ناحية المراسم أو من ناحية الجوهر، مثل مضمون الخطاب، إذ يتردد فى وسائل الإعلام ما معناه أن الهزيمة الشنيعة للحزب الحاكم البريطانى فى الانتخابات المحلية جاءت نتيجة، وإن متأخرة، لفشل الزيارة الملكية لأمريكا.

سادسا: ما نزال كغيرنا من المهتمين والمتابعين ندرس الخلاصات التى أسفرت عنها، وما تزال تسفر، تطورات الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران. هذه الحرب التى نزلت علينا، وكنا شهودًا، كصاعقة. لم تترك أخدودًا كان أم ثقبًا فى جدار العرب إلا ونفذت منه لتخرب وتدمر وتنشر الوقيعة وتعمق خلافات قائمة وتزيد الفقراء فقرًا وتسلب من الأغنياء هناءهم وغناهم وتشتت الفكر والإرادة وتشكك فى مسلمات وتدحض قناعات راح الظن بها إلى أنها كانت قد استقرت عقائد وتقاليد راسخة.

صحيح أن الحرب لم تحقق لناشبيها جل أهدافهم منها، إلا أنه صحيح أيضًا أنها صنعت أسوأ ما فى كوابيس أحلام السياسة ما لم يتخيله سياسى أمريكى من قبل. نستطيع أن نقرر بالنسبة لما نحن بصدده الآن أن الولايات المتحدة الأمريكية استعدت لعقد قمة مصير طال انتظارها، وهى تعانى من أزمة ثقة مع الذات ومع الغير بطبيعة الحال. بالتالى لا شك فى أن دولًا آسيوية عديدة واقعة على الطريق الموصل بين الصين وأمريكا أصابها بعض رذاذ هذه الحرب سيئة الطالع وسيئة الغرض، وأن تحالفات دولية بعينها قد يصيبها داء الانفراط أو التحول فى الولاءات مهددة بذلك الاستقرار الدولى والإقليمى لسنوات أو عقود مقبلة.

• • •

سابعًا: يبدو لنا من على البعد أن قادة الحكم فى بيجيبنج، أقصد فى بكين الاسم الذى تعودت عليه منذ أيام تتلمذى فى مجال السياسة ثم أيام قضيتها فى العاصمة الصينية أتدرب كملحق دبلوماسى على العمل فى مهنة لعلها بين أعظم وأقدم المهن فى التاريخ، يبدو أنهم استطاعوا إقناع واشنطن بأهمية وقف الحرب ضد إيران، ولو على الأقل خلال فترة الاستعداد للقمة وخلال انعقادها. المثير فى هذا الموضوع انضمام قادة روسيا لهذه اللفتة الذكية من جانب قادة الصين وتلقفها من جانب قادة الولايات المتحدة. بدت لنا هذه التصرفات كما لو كانت القمة الدولية تجرب نفسها من جديد. بدت لنا أيضًا كما لو أن الصين انتهزت الفرصة لتعلن جاهزيتها لممارسة دورها كقطب فاعل وقابل للتصديق، ولتعلن أيضًا رفضها لسياسات تعتمد «قانون الغابة» أسلوبًا وسلاحًا فى العمل الدولى.

ثامنًا: لا يغفل أحد عن الحضور غير المرئى، ولكن النشط، لروسيا فى قمة بكين. روسيا على امتداد أربع سنوات تحارب أوروبا عدوها التقليدى والتاريخى. هدفها منع أوروبا من أن تحقق حلمها أن تصبح القطب الرابع فى نظام دولى يجرى تشكيله، وهو هدف تشترك فيه مع الولايات المتحدة ولا تقف الصين ضده.

تاسعًا: توقفنا طويلًا أمام ما أطلق عليه بعض الخبراء رسالة المرشد العام الجديد، رسالة أظن أنها، لو صحت، موجهة أساسًا إلى قادة دول الجامعة العربية، وبخاصة إلى مصر. يتحدث المرشد العام عن «الخليج» باعتباره «هبة إلهية ورأسمالًا استراتيجيًا وامتدادًا لهوية حضارية». شروط هى أو سمات ضرورية ومتوافرة فى ظن من صاغها للتعريف بالخليج العربى جزءًا من نظام خليجى إقليمى كبير ومتفرد.

• • •

يبقى واضحا، لنا على الأقل، أن الرئيس ترامب لن يعود وقد حقق لنفسه ولحركة ماجا جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، حلمهما المشترك، بمعنى أنه لن يعود من قمة بكين وأمريكا ما تزال مهيمنة على العالم.

ولت بعيدًا، ولا شك، فرصة أن تعود أمريكا أو أى قطب آخر دولة مهيمنة. وأنتظر من قمة بكين أن تكون خير دليل.

جميل مطر كاتب ومحلل سياسي