حيث لا ديمقراطية يترعرع الفساد - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 16 ديسمبر 2019 3:04 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

حيث لا ديمقراطية يترعرع الفساد

نشر فى : الأربعاء 13 نوفمبر 2019 - 10:25 م | آخر تحديث : الأربعاء 13 نوفمبر 2019 - 10:25 م

الطرح العالى والمتكرر، المحق، لشعار محاسبة المفسدين ومواجهة ظاهرة مرض الفساد، فى ساحات وشوارع مدن الوطن العربى، يدل على أن تلك الظاهرة قد قادت المجتمعات والمواطنين إلى أقسى درجات الاستغلال المادى والمعنوى البشع، وأنها أصبحت أهم سبب للتراجعات التنموية العربية، وبالتالى للفقر والتخلف.
وككل ظاهرة مجتمعية تكمن من ورائها شتى العوامل والأسباب التى سمحت لها أن توجد وتتعاظم وتستمر، جيلا بعد جيل. ولعل أهم وأقوى تلك العوامل هو غياب المؤسسات والممارسات الديمقراطية فى الحياة السياسية والاقتصادية العربية.
فى غياب الديمقراطية الحقيقية، غير المظهرية، تغيب مبادئ وممارسات الشفافية، تضعف نظم وأدوات المساءلة والعقاب، يسهل التلاعب بالدساتير والقوانين، حتى ولو كانت مثالية فى منطوقاتها، وتتداخل بصور غامضة انتهازية صلاحيات وحدود السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويمنع الإعلام المجتمعى من الاقتراب من ساحة الفساد والمستفيدين منه.
هذا الارتباط الوثيق بين ظاهرة الفساد ومدى توافر القيم والأنظمة والمؤسسات الديمقراطية سيوجد جوا من الشكوك حول الوعود التى تطلقها الأنظمة العربية غير الديمقراطية بشأن استعدادها لمحاربة الفساد والمفسدين.
فإذا كان الفساد قد نما وترعرع فى ظل تلك الأنظمة فإن محاربته لن تكون على يد أصحابها الملطخة بكل قذارات الفساد.
من هنا يستطيع الإنسان أن يتفهم إصرار شباب الحراكات الجماهيرية على تبديل الأسس التى قامت عليها أنظمة الحكم، وبالتالى تبديل رجالاتها، كشرط وجودى لانسحابهم من الساحات والشوارع. إنه إصرار يدل على وعى سياسى عميق وعلى ممارسة نضالية كفؤة مجدية. إنهم يفهمون بعمق المثل القائل بأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه.
لكن الأمر يجب ألا ينتهى عند ذلك الرفض العام؛ إذ إن هناك تفاصيل يحتاج الشباب إلى أن يعوها:
فهناك الارتباط الوثيق بين تنامى الفساد وممارسة مبادئ النيوليبرالية الرأسمالية العولمية التى تعلى من مبادئ التنافس المجنون فى الأسواق الحرة غير المنضبطة وترفض بشدة تدخل الدولة فى الحياة الاقتصادية. تلك الأجواء الاقتصادية لا يمكن إلا أن تؤدى إلى ممارسة الفساد، كأحد أسلحة التنافس. هذا النظام الفاسد هو الآخر يجب دحره.
وهناك الأهمية القصوى للدور الذى يجب أن تلعبه العديد من قوى المجتمع المدنى فى محاربة الفساد ومنع نموه. فمكافحة الفساد هى عملية متكاملة ومتعاضدة بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع. فالأحزاب والنقابات ومختلف الجمعيات تستطيع أن تكون جماعات ضغط فى مراقبة ومحاربة الفساد. وجمعيات حماية المستهلكين يمكن أن تلعب أدوارا أساسية فى عمليات فضح التلاعب والمتلاعبين. والإعلام المستقل النظيف يجب أن يلعب دورا قياديا فى تثقيف المواطنين بشأن الضرائب وصرفها، وبشأن البيروقراطية الإدارية التى بتعقيداتها تفسح المجال للرشوة والاختلاس دون أن تلاحظ بسهولة، وبشأن مظاهر الترف المجنون فى حياة الفاسدين، وبشأن اسماع أصوات الناس العاديين وشكاواهم من خلال رسائل القراء أو اللقاءات معهم.
ولما كان مسئولو البلديات أقرب إلى نبض الحياة اليومية للمواطنين من غيرهم من المسئولين الآخرين فإن باستطاعتهم لعب أدوارا هامة فى مجال مكافحة الفساد فى الساحة المحلية.
مشكلة الفساد هى إذن ليست مشكلة سلطة دولة فقط، بل إنها، أيضا، مشكلة مجتمع، والذين يطالبون بأن تقوم سلطات الدولة بواجباتها، عليهم أن ينخرطوا بقوة فى تنظيم قوى المجتمع المدنى لتقوم بواجباتها هى أيضا.
ولما كان داء الفساد قد استفحل وأنهك الجسم العربى فإن موضوعه سيحتاج لمواجهته إلى مجموعة من الخطوات الضرورية.
فهناك حاجة إلى تحاليل وتشخيصات دورية مستمرة لأشكال الفساد وتجلياته.
وهناك حاجة إلى فضح دائم لعوامل الفساد التى تكمن من ورائه وتقود إليه. وهناك حاجة لتقييمات دورية مستمرة لمدى نجاح وسائل مكافحة الفساد وإجراء تعديلات فى تركيباتها لجعلها وسائل ناجحة.
وبالطبع فإننا لا نحتاج أن نبدأ من الصفر، إذ هناك أدبيات هائلة فى هذا الحقل، مثل معايير اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ومثل تجارب عشرات المجتمعات الأخرى الناجحة.
تحية للحراكات الجماهيرية العربية، وعلى الأخص شبابها وشاباتها، فى شتى مدن العرب التى رسخت بقوة وإصرار شعار مكافحة الفساد، رسخته كشعار أساسى فى الحياة السياسية والاقتصادية العربية، ليضاف إلى شعارات الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات