القوى الناعمة المصرية - عمرو هاشم ربيع - بوابة الشروق
الخميس 25 فبراير 2021 7:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

القوى الناعمة المصرية

نشر فى : الخميس 14 يناير 2021 - 7:40 م | آخر تحديث : الخميس 14 يناير 2021 - 7:40 م

مرة أخرى نواجه بمفهوم جديد فى علم السياسة، وهو القوى الناعمة. المفهوم حديث، مثله مثل مفاهيم جديدة دخلت علم السياسة أخيرا كالدولة العميقة مثلا، وضمن تلك المفاهيم الجديدة، وإن كان أقدم قليلا مفهوم الدولة المدنية.
والقوى الناعمة فى تعريف بسيط لها هى الآليات والأساليب الدبلوماسية الرسمية والشعبية المرتبطة بعناصر قوة الدولة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتى يمكن توظيفها بما يساهم فى توطيد العلاقات بين بعض الدول ومواجهة بعضها الآخر.
وعكس القوى الناعمة القوى الخشنة، وهو ما يرتبط بالقوة العسكرية والاقتصادية للدولة، كالحرب والحظر والحصار والعقوبات وإغلاق المقرات وحبس المنح والقروض المتفق عليها أو المعتادة.. إلخ.
والغرض من القوى الناعمة كثير، فمنه ما يرتبط بتقليل حدة التوتر بين الدولة الهادفة والمستهدفة، ومنها ما يرتبط بحشد الدعم والتأييد من عناصر داخل الدولة المستهدفة بغرض الضغط على النظام الحاكم بها، لحلحلة مواقفه وتليين سياساته إزاء الدولة الهادفة. وأخيرا وليس آخرا، فإن غرض القوى الناعمة ربما يكون القفز على سياسات دولة ثالثة تجاه الدولة المستهدفة، بمعنى العمل على فقد أرضية للخصم داخل الدولة المستهدفة عبر سياسات تسهم فى توطيد العلاقات بين الدولتين الهادفة والمستهدفة.
المؤكد أن القوى الناعمة وفق هذا المفهوم تحتاج لموارد من قبل الدولة الهادفة، فالأخيرة يجب أن تمتلك حدا أدنى من القوى التى تمكنها من الاستخدام، ليس فقط بغرض توجيهها للدولة المستهدفة، بل وللنجاح فى تحقيق الهدف من الاستخدام.
أحد أبرز مظاهر القوى الناعمة تقديم المنح التى لا تُرد للدولة المستهدفة، وتقديم القروض ميسرة الفوائد لمجالات محددة فى تلك الدولة. وقد يكون الأمر عبارة عن تقديم مشروعات واستثمارات فى الدولة المستهدفة، بما يدعم فى النهاية الاقتصاد فى تلك الدولة. شكل ثالث للقوى الناعمة، وهو استجلاب العمالة فى الدولة الهادفة من الدولة المستهدفة، ما يجعل الأخيرة تزداد درجة اعتمادها على الدولة الهادفة. شكل رابع، دعم البنية التحتية فى الدولة المستهدفة بشكل مباشر، من خلال تقديم خبراء وفنيين وخطط ترتبط بالبيئة فى الدولة المستهدفة. شكل خامس، هو استضافة المؤتمرات فى الدولة الهادفة. شكل سادس، دعم الدولة المستهدفة إبان النواكب الطبيعية والبيئية كالجوائح والأوبئة والزلازل وغيرها. شكل سابع، وهو تقديم المنح الدراسية فى جامعات الدولة الهادفة، واستقبال المرضى فى المستشفيات.
مصر بالطبع واحدة من الدول التى تستخدم (سلاح) القوى الناعمة إن جاز التعبير فى تحقيق عديد المهام. وأحد أبرز مجالات القوى الناعمة تلك القوى الموجهة لبلدان جنوب شرق آسيا من قبل مؤسسة الأزهر فى مجال التعليم، والمساعدات المقدمة لعديد البلدان العربية كلبنان ودولة فلسطين فى الضفة وغزة عند التعرض للاعتداءات الصهيونية المباشرة على تلك المناطق. على أن أبرز المناطق التى توجه لها القوى الناعمة المصرية فى الوقت الراهن هى البلدان الإفريقية. فمن خلال المشروعات الموفرة للطاقة والمياه وغيرها تقدم مصر العديد من الخطط والفنيين والخبراء لدعم التواجد فى تلك المنطقة التى حرمت مصر منها إبان نظام الرئيس الأسبق مبارك بعد واقعة محاولة اغتياله فى إثيوبيا فى يونيو 1995.
غرض مصر من كل ما يوجه للبلدان الإفريقية هو القفز على دول ثالثة تسعى لقطع أو الحد من المد المصرى وغير المصرى فى تلك البلدان. هنا يجب أن نذكر بطرفين إسرائيل والصين، الأولى دولة تسعى لإزاحة مصر والسعى لموطئ قدم فى إفريقيا للالتفاف عليها من الجنوب. الطرف الثانى الصين، وهى الدولة التى تسعى للهيمنة بالقوى الناعمة فى مواجهة عديد الدول ومنها مصر. غرض آخر لمصر من استخدام القوى الناعمة هو كسب قوى عديدة فى الداخل تكون سندا لتعضيد النفوذ المصرى فى الدولة المستهدفة، وهنا يبرز ما تقدمه الدولة المصرية من مساعدات كثيرة لتلك البلدان فى المجالات الطبية والتعليمية والدينية.
غرض آخر مستحدث للقوى الناعمة المصرية فى إفريقيا هو سد النهضة، فمصر تسعى من خلال قوتها الناعمة لكسب التأييد لموقفها فى مواجهة التعنت الإثيوبى، ولا غرو أن مصر استخدمت القوى الناعمة فى التعامل مع إثيوبيا ذاتها. ففى مايو 2015 تدخلت مصر للإفراج عن محتجزين إثيوبيين فى ليبيا. ومن ذلك أيضا استخدام القوى الناعمة المصرية تجاه إثيوبيا بشكل سلبى وليس إيجابيا، بمعنى الامتناع (وهى القادرة) على التدخل فى الصراع الأخير بين النظام الحاكم وإقليم تيجراى، ما كان سيؤجج وسيطيل الصراع.
غاية القول إن القوى الناعمة أصبحت فى عالم اليوم سلاحا حقيقيا لتحقيق أغراض كثيرة تعجز القوى الخشنة فى تحقيقها، وأن الدولة فى مصر أصبحت تعتمد على هذا السلاح فى تحقيق أهدافها.

عمرو هاشم ربيع نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية
التعليقات