قرن آسيوى وليس قرنا صينيا قادما - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 يوليه 2020 2:26 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

قرن آسيوى وليس قرنا صينيا قادما

نشر فى : الخميس 14 مايو 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الخميس 14 مايو 2020 - 9:50 م

تقليديا يُعرف القرن بأنه مدة زمنية مقدارها 100 سنة، لكن يختلف الأمر فى مجال العلاقات الدولية، حيث دُرج على إطلاق كلمة القرن مجازا على فترة سيطرة قوة كبرى وهيمنتها على الشئون الدولية.
عرفنا قرنا بريطانيا امتد منذ 1815 وحتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، أى أنه أكثر من مائة عام، وشهدت خلاله الإمبراطورية البريطانية سيطرة على ربع مساحة كوكب الأرض وحكمت ربع سكانها.
وشهدت نهاية الحرب العالمية الثانية بدء بزوغ القرن الأمريكى من خلال سيطرة واشنطن على الأجندة العالمية من خلال دورها الرائد فى تأسيس نظام دولى سياسى واقتصادى ومالى جديد. وامتد القرن الأمريكى وشهد هيمنة أمريكية وصلت معها القواعد العسكرية الأمريكية لكل بقاع العالم، وهيمنت الثقافة الأمريكية من لغة التخاطب وطريقة الملبس وقوائم الطعام وشاشات التليفزيون والسينما على طريقة معيشة الملايين فى كل بقاع الأرض.
ويرى الكثير من الخبراء أن فيروس الكورونا قد أدخلنا فى مرحلة بداية أفول الهيمنة الأمريكية، وهى مرحلة انتقالية بين قرن أمريكى قديم، وما يبدو أنه قرن آسيوى قادم لا محالة.
***
مر على الصين قرنا عُرف بقرن الذُل والمهانة وامتد من منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين عندما تأسست الجمهورية الصينية على يد ماو تسى تونج عام 1949. وخلال هذا القرن سيطرت دول أوروبية على أراضٍ وموانئ صينية، وانهزمت القوات الصينية المحلية فى أغلب المواجهات العسكرية مع الأوروبيين وتم انتزاع جزيرة هونج كونج لصالح بريطانيا، وأقدم الأوروبيون على دفع الصينيين للإدمان فيما عرف بحرب الأفيون؛ حيث قضى المخدر على عُشر سكان الصين آنذاك أو ما يقرب من 40 مليون شخص. وشهد النصف الأول من القرن العشرين مهانة إذلال على يد اليابان، إذ اكتسحت اليابان الأراضى الصينية فى بداية ثلاثينيات القرن الماضى واستولت على أهم المدن الصينية كشنغهاى وبكين وقتلت ما يقرب من 18 مليون صينى حتى انسحبت بنهاية الحرب العالمية الثانية. من هنا يدرك الصينيون أن غياب حكومة مركزية قوية سيؤدى إلى مهانة وإذلال وفوضى كما عرفت بلادهم خلال قرون طويلة مضت. ولم تختلف تجارب الدول المجاورة للصين كثيرا عن التجربة الصينية.
***
شهد بحر الصين الجنوبى خلال العقد الأخير محاولات هيمنة قامت بها الصين من أجل السيطرة على مناطقه الاقتصادية مما جعلها تتصادم مع جارتها فيتنام والفلبين وإندونيسيا. ويخشى جيران الصين من أن تتحول القوة الاقتصادية الكبيرة للصين إلى أداة للتوسع والتمدد الجيوإستراتيجية، من هنا تتحالف تلك الدول عسكريا مع الولايات المتحدة وتطالب واشنطن بزيادة تواجدها العسكرى فى المنطقة لردع الأهداف العسكرية للصين. ولا يختلف الأمر مع جوهر التواجد الأمريكى العسكرى الواسع فى كوريا واليابان، فهذه القوى الآسيوية تدرك مخاطر التهديدات الصينية المستقبلية، ولا تريد للقوات الأمريكية الرحيل، بل تعلن طوكيو وسيول استعدادهما لتمويل بقائها داخل بلادهم كما يريد الرئيس ترامب. وبسبب المخاوف من الهيمنة الصينية، تجمع واشنطن بالهند، الجار الغربى للصين، علاقات عسكرية وتنسيق إستراتيجى متصاعد.
***
كشف فيروس كورونا حجم ما وصلت إليه الولايات المتحدة من جمود سياسى واستقطاب غير مسبوق لم يكترث بأعداد الوفيات والإصابات والخسائر الاقتصادية غير المسبوقة فى ظل تسييس للأزمة من الجانبين الجمهورى والديمقراطى، إضافة لعدم تمتع الرئيس دونالد ترامب بمواصفات القيادة اللازمة للتعامل مع أزمة بهذا الحجم. ولا يعنى بدء أفول القرن الأمريكى أن هناك قرنا جديدا على الأبواب ينتظر البداية، لكن ما سنراه سيمثل مرحلة انتقالية تمتد لسنوات وربما عقود تمثل مرحلة تأكيد انتهاء قرن جديد ولكنها لا تضمن تسليم الراية تلقائيا لقائد جديد لبدء قرن جديد.
***
يرى البعض أننا سنمر بمرحلة من تعدد الأقطاب مع زيادة قوة ومكانة دول مثل الصين والهند فى الشئون العالمية، وظهور رغبة روسية وربما أوروبية فى لعب دور متزايد فى القضايا العالمية الكبرى مثل البيئة والمناخ. ويرى البعض، أنه ومع أخذ تعداد السكان وضخامة الاقتصاديين الصينى والهندى فى الحسبان، فمن الطبيعى أن نكون على مقربة من قرن آسيوى يقوده أكبر دولتين فى القارة الآسيوية. وقدمت شركة جولدمان ساكس مؤخرا تقريرا تنبأت أن يكون الناتج الإجمالى الصينى الأعلى فى العالم ويليه الناتج الهندى فى المركز الثانى وذلك قبل حلول عام 2050.
***
حتى من قبل انتشار وباء الكورونا عرفت الكثير من الدول الآسيوية نموا اقتصاديا كبيرا خاصة بعدما اتبعت آليات السوق الحرة، وأقدمت نخب تلك الدول خاصة فى كوريا واليابان وتايوان والصين وفيتنام وسنغافورة وإندونيسيا وماليزيا على اقتناء العلم والمعرفة من كبريات الجامعات الأمريكية. وأظهرت طرق التعامل مع تبعات فيروس الكورونا استعداد الدول الآسيوية بصورة أفضل من نظيرتها الغربية، ودعّم ذلك تقدم نظم الحكم المحلية والمركزية كذلك فى تلك الدول سواء التى تتبع نموذجا ليبراليا ديمقراطيا أو تلك الخاضعة لسيطرة الحزب الشيوعى الواحد.
***
استغلت الدول الآسيوية الشعبوية الجديدة، بما تتضمنه من نزعات قومية، كقوة دفع لنمو اقتصادى وتعليمى يستند على مناهج وآليات التقدم الغربية التى أثبتت نجاحها خلال القرن الأخير. فى ذات الوقت دفعت الشعوبية الجديدة فى أوروبا والولايات المتحدة لنتائج كارثية كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، أو وصول شخص مثل دونالد ترامب للحكم فى واشنطن. ودفعت الخلافات السياسية الداخلية بين الدول المطلة على المحيط الهادى لاستقطاب وتسييس وصل لحالة الفشل فى إدراك التهديدات الكبرى التى تواجهها عالميا. فى الوقت ذاته لم تلتزم كبريات الشركات الغربية إلا بالربح كهدف أوحد لها، وهو ما سمح بوضع الكثير من قوتها فى أيدى مصانع وورش الإنتاج فى الدول الآسيوية.
***
من غير الواضح بعد كيف سننتقل ولا متى إلى قرن آسيوى جديد، فى الوقت ذاته يراه البعض قرنا صينيا جديدا، لكن لن تسمح جيران الصين بالتعاون مع واشنطن بذلك وسيجعلونه قرنا آسيويا وليس قرنا صينيا.

 

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات