كارمن الغجرية - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 6:30 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

كارمن الغجرية

نشر فى : السبت 15 يونيو 2019 - 10:25 م | آخر تحديث : السبت 15 يونيو 2019 - 10:25 م

شاهدت مسرحية "كارمن" المأخوذة عن أوبرا بيزيه الشهيرة، التي تعرض حاليا على مسرح مركز الهناجر، من تصميم وإخراج ريم سيد حجاب. لم أعجب كثيرا بالعرض، رغم المجهود الكبير الذي بذل فيه، لأسباب تتعلق ربما بنوعية العروض السابقة التي رأيتها من بلدان مختلفة والتي رفعت من سقف توقعاتي، إلا أن تمصير النص التي قامت به ريم حجاب، ومزج مقاطع من موسيقى بيزيه وأغنيات الفولكلور المصري وألحان جديدة لسعد ممدوح، يستحقوا التحية.

وخلال العرض تذكرت كلمات مغنية الأوبرا الشابة المصرية، فرح الديباني، التي حصلت قبل أيام على جائزة أفضل صوت صاعد من أوبرا باريس حيث تدربت في أكاديميتها على مدار ثلاث سنوات تقريبا لاكتساب المزيد من الخبرة. هي تعشق شخصية كارمن وتبحث عنها في كل الأدوار، بل وترى أن كل امرأة بداخلها "كارمن صغيرة" تبحث عن الحرية والحب والغواية، ما وجدته فرح على خشبة المسرح وفي عيون الجمهور. وبما أن صوتها ينتمي إلى نوع الميزو سوبرانو أو سوبرانو متوسط، فقد أدت دور كارمن عدة مرات حول العالم لأنه يتطلب نوعية الصوت نفسها، وهي تستعد حاليا للمشاركة في مهرجان مدينة جلات الألمانية أيضا بأوبرا كارمن، التي اختار القائمون عليها هذه المرة أن ينقلوا أحداثها إلى برلين في عشرينات القرن الماضي، وهي السنوات المجنونة التي تلت الحرب العالمية الأولى وشهدت خلالها برلين صخب الأفكار ونزعات التحرر من الأعراف والسائد، وارتبط دستور جمهورية فايمر (1919-1933) بتأكيده على الحقوق والحريات الفردية. في مثل هذا الإطار تأخذ شخصية كارمن مداها: الغجرية المتمردة التي تغني للحرية وللحب وجنونه وتقرأ الطالع وتعمل بالتهريب... جو مثير، تصفه ريم حجاب في مسرحيتها، قائلة: "العالم يبقى بين إيديك، وإرادتك القانون. بدون روتين يمحي روحك".

***
عالم به الكثير من الخيال والحرية، من منا لا يحلم به؟ وهو سر كارمن الأبدي الذي جعلها تعيش وتلهم الفنانين منذ القرن التاسع عشر، عندما خط سطورها الكاتب الفرنسي بروسبير ميريميه عام 1845، دون أن تلقى نجاحا كبيرا، رغم أنه استوحى خطوطها العريضة من حكاية حدثت بالفعل في إسبانيا. تحولت الشخصية إلى أسطورة بعد أن حولها بيزيه لأوبرا في 1875، أكسبتها موسيقاه روحا جديدة وطغى عليها معنى اسم كارمن باللاتينية: سحر الكلمات والشعر والغناء. صارت رمزا للمرأة المتحررة عبر العصور التي تعيش حرة وتموت حرة، كما يقول النص الذي أعيدت صياغته لكي يتماشى مع طبيعة شكل فن الأوبرا خلال ستين يوما فقط.

***
لحن بيزيه الأوبرا ومات عام تقديمها على المسرح، وترك كارمن تشاكسنا، وتظهر تضاد العوالم المختلفة. ألهمت شارلي شابلن فيلمه الصامت سنة 1915، وبعدها بسنوات طوال في بداية الثمانينات رأى فيها المخرج الإسباني كارلوس ساورا، عاشق الأندلس وموسيقى الفلامنكو، المرأة المتقلبة المزاج ذات الألف وجه. شخصية يمكن لأي مبدع أن يقول ما يريده من خلالها في كل عصر، وكل مكان، وتظل جذابة، وتظل رمزا للغواية والتمرد، رغم أنها تموت في نهاية القصة. لذا نتوقع دوما منها ومن مبدعيها المزيد من كل شيء، من الخيال، من العمق، من التأويل، من الإسقاط، من التحديث، من الكلاسيكية، من الرقص، من الغناء، من المفاجأة، من السحر، ...

التعليقات