علاج خاطئ لوضع خاطئ - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الإثنين 25 أكتوبر 2021 4:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


علاج خاطئ لوضع خاطئ

نشر فى : الإثنين 16 أغسطس 2010 - 10:55 ص | آخر تحديث : الإثنين 16 أغسطس 2010 - 10:55 ص
صحيح أن حال الفتوى لا يسر فى العالم العربى، بعد أن أصبحت ساحة لكل من هب ودب ومهنة من لا مهنة له، لكن حل المشكلة لا يكون بتأميم الفتوى، وقصرها على نفر من أهل العلم تتخيرهم السلطة من بين رجالها الذين ترضى عنهم.

كان ذلك هو انطباعى عن الأمر الذى أصدره العاهل السعودى إلى مفتى المملكة وطلب فيه قصر الفتوى فى الشئون العامة على هيئة كبار العلماء. وحذر الذين يخالفون هذا التوجيه من أنهم سوف يتعرضون للجزاء الرادع. تعرض الأمر الملكى لمبررات هذه الخطوة. فأشار إلى تجاوزات بعض الخطباء «وتناولهم موضوعات تخالف التعليمات الشرعية المبلغة لهم عن طريق مراجعهم» مما يؤدى إلى تشويش أفكار الناس والتعدى على صلاحيات المؤسسات الشرعية.

سواء كانت تلك هى الأسباب الحقيقية أم أن هناك ملابسات أخرى استجدت واستدعت اتخاذ هذه الخطوة، فإن ذلك لا يغير كثيرا من اقتناعنا بأن عالم الافتاء يعانى فوضى شديدة، أسهم فى تأجيجها وتوسيع نطاقها التطور الكبير فى عالم الاتصالات، الذى فتح الأبواب على مصارعها لكل من شاء أن يقول ما شاء فى أمور الدين أو الدنيا. ولأن ذلك التطور جعل التواصل مع الناس خارجا عن السيطرة، فإن الجهات المعنية فى الدول غير الديمقراطية دأبت على ملاحقة ومحاصرة تلك الوسائط بمختلف السبل. سواء عن طريق المراقبة أو المصادرة أو القرارات الإدارية.

يشهد بذلك مثلا الجهد الذى يبذل الآن لإخضاع الفضائيات العربية للقيود المختلفة التى تكفل الرقابة على البث وتقييد حرية التعبير. كما تشهد بذلك الإجراءات الأخيرة التى اتخذت لوقف بعض خدمات «بلاك بيرى» ومراقبة المدونات والفيس بوك وتويتر ورسائل الهواتف النقالة وغيرها، هذه المشكلة ليست مثارة فى الدول الديمقراطية التى تكفل حرية التعبير بغير قيود. وينصب الجهد فيها على مواجهة الأضرار التى تترتب على سوء استخدام وسائل الاتصال الحديثة، مثل الاتجار فى البشر أو غسل الأموال.

التصدى لفوضى الإفتاء عن طريق حصره فى جهة رسمية بذاتها لا يحل المشكلة ولا ينبنى على نظر يتحرى جذورها. ذلك أن الفتوى رأى غير ملزم لأى أحد. وتعدد الآراء مطلوب فى الفقه كما هو مطلوب فى العمل السياسى.

وكل الذى سيحدث أن الناس ستعتبر العلماء المأذون لهم بالفتوى والمعينين من قبل السلطة موظفين يخضعون للتوجيه بما لا يبعد عنهم شبهة الولاء لمن عينهم، الأمر الذى يفقد ثقة الجمهور فيهم، ومن ثم سيكون ذلك حافزا للرجوع إلى المراجع «المستقلة» البعيدة عن شبهة الارتباط أو الولاء للسلطة.

إن حصر الفتوى فى أناس معينين من قبل السلطة هو فى حقيقته تأميم للفتوى الأمر الذى يضعنا أمام مفارقة جديرة بالملاحظة، وهى أن «الخصخصة» تسود قطاعات التجارة والأعمال، فى حين أن قبضة التأميم تشتد على مجالات السياسة والإفتاء والإعلام.

لذلك فإن القرار ربما كان أحكم وأكثر موضوعية لو أنه قصر الفتوى على أهل الاختصاص، لاستبعاد الأدعياء والمتطفلين، وفى الوقت ذاته لاستبعاد شبهة إخضاع المفتين لتوجيه السلطة ورغباتها.

على صعيد آخر، فإن السؤال الذى يطرح نفسه فى هذا السياق هو لماذا شاعت الفوضى فى مجال الإفتاء؟.. لقد أشرت إلى دور ثورة الاتصال فى توسيع المجال وجذب كثيرين إلى المحطات الدينية وبرامج الرد على التساؤلات والافتاء فى مشاكل الخلق. لكنى أزعم أن هناك سببا أهم وأعمق هو فقدان ثقة الناس فى المؤسسات الدينية الرسمية.

وتلك أزمة حقيقية وليست مفتعلة، لأن الأنظمة التى شددت من قبضتها على مؤسسات المجتمع لم تترك المؤسسة الدينية بغير رقابة أو توجيه. وحين أدرك الناس هذه الحقيقة، التى استدعت إلى المجال العام نفرا من أهل العلم عرفوا بأنهم فقهاء البلاط أو السلطان، فإنهم انفضوا من حولهم، وبحثوا عن آخرين ممن يفتون بوحى من ضمائرهم وليس بتوجيه من الحكومة ويخشون الله بأكثر من خشيتهم السلطان وضباط أمن الدولة.

إن قرار قصر الإفتاء على أى مؤسسة تتحكم السلطة فى تعيين أعضائها هو علاج خاطئ لوضع خاطئ. وعلينا أولا أن نحافظ على استقلال المؤسسة الدينية لتستعيد صدقيتها وهيبتها قبل أن نطالب الناس بالاعتماد على مرجعيتها والاكتفاء بصوتها. لكن ذلك يظل مطلبا صعبا فى ظل أوضاع غير ديمقراطية ترفض استقلال المؤسسات الأهلية، ومنها ما فرط فى استقلال الأوطان ذاتها.
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.