هل أنت مؤهل لكتابة كتاب يصلح للتدريس؟ - محمد زهران - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 12:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

هل أنت مؤهل لكتابة كتاب يصلح للتدريس؟

نشر فى : السبت 19 أغسطس 2017 - 9:25 م | آخر تحديث : السبت 19 أغسطس 2017 - 9:38 م

 

تكلمنا في المقال السابق عن التدريس كأحد أهمأجزاء العملية التعليمية، جزء آخر لا يقل أهمية في العملية التعليمية هو الكتاب المدرسي أو الجامعي، إذا كنت تحب التدريس فهل تحب أن تكتب كتاباً للطلبة في تخصصك ليدرسوا منه؟ في هذا المقال سنحاول أن نحلل هذا السؤال.

 

يعتقد الكثيرون أن كتابة كتاب مدرسي أو جامعي تعتمد على الخبرة وهذا صحيح ولكني أعتقد أننا لا نطبقه بالطريقة الصحيحة، كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن مفهوم الخبرة وإنها لا تعني أنك قضيت مدة طويلة في عمل شيء، أنت قد تكون قضيت سنوات عديدة في تدريس مادة ما ولكن هذا لايعني أنك مؤهل لكتابة كتاب فيها، هل إطلعت على أهم التطورات في علم هذه المادة؟ هل أنت كاتب ماهر؟ أم أننا نعتقد أن الخبرة هي أن تكون أشيب الشعر منحني الظهر؟ ... الإطلاع على أحدث تطورات العلم الذي تدرسه يقتدي معرفة لغة أجنبية ... وهذه هي النقطة التالية.

 

كي تكون مؤهلاً لكتابة كتاب يصلح للتدريس يجب أن تلم إلماماً جيداً بلغة أجنبية وغالباً هي الإنجليزية فهي لغة العلم في عصرنا هذا لأن هذا يساعدك على الإطلاع على الجديد في مادة تخصصك لأنك لن تجد كل ما ينفعك مترجماً، قد تقول أن هذا مهم إذا كنا نتحدث عن الكتب الجامعية حيث العلم يتقد بسرعة ولكن ماذا عن الكتب المدرسية التي تتحدث عن المبادئ العلمية البسيطة التي قلما تتغير؟ الإجابة أن المبادئ العلمية قد لا تتغير ولكن طرق تدريسها وإيجاد أمثلة حديثة للتوضيح و إيجاد أسئلة ومشارع للتمارين تحتاج سعة إطلاع على الجديد بل وفتح قنوات إتصال مع من يدرِس نفس المواد لتبادل الخبرات وهذا أصبح متاحاً بوجود الإنترنت ... لنفترض أنك متمكن من اللغة الإنجليزية وأنك متابع لكل جديد في تخصصك وأصبحت خبيراً فيه فهل هذا يكفي لكتابة كتاب؟ ... لا لايكفي

 

هل قرأت أو تعلمت أي شيء عن سيكولوجية التعليم؟ قد تسأل ولما ذاك وأنا أستاذ في الهندسة مثلاً؟ الإجابة أنك عضو هيئة "تدريس" ولست مجرد باحث والتدريس كما قلنا مراراً في مقالات سابقة ليس مجرد ترديد ما قرأته وفهمته عن فرع ما من فروع المعرفة بل هو أعقد من ذلك بكثير والشئ نفسه ينطبق على كتابة كتاب للتدريس فأنت لا تريد أن تسرد كل ما تعرفه في عشرات من الصفحات ثم تفتخر بأن لك كتاباً يُدرس!

كان الفيزيائي الأسطورة والحائز على جائزة نوبل يطالع كتاب العلوم الذي يدرسه إبنه كارل الذي كان في المرحلة الإبتدائية آنذاك وكان في الكتاب صورة للعبة بالزنبرك على شكل كلب وصورة أخرى لكلب حقيقي وصورة لموتوسيكل وتحت كل الصور سؤال: ما الذي يحرك كل هؤلاء؟ وفي سطر آخر الإجابة: إنها الطاقة هي التي تحركهم ... عند هذه النقطة شعر فاينمان بالغضب الشديد لأن الكتاب أعطى إسماً ولم يعط تعريفاً لكلمة الطاقة فهناك فارق شاسع بين تعليم التلاميذ كلمة الطاقة وتعليمهم ما هي الطاقة! هذا المثال الصغير يبين مدى صعوبة كتاب للتدريس والصعوبة تزداد كلما صغرت المرحلة السنية فكتاب للمرحلة الإبتدائية أصعب في كتابته من كتاب للمرحلة الجامعية... ولكن في كل الأحوال يجب أن يكون المؤلف قاص ماهر.

 

في حديث لي مع بعض المتخصصين في الكتابة العلمية للعامة(وقد تحدثنا عن الكتابة العلمية للعامة في مقال سابق) عن أفضل طرق للكتابة وجدت أنهم جميعاً يتفقون في شيء واحد: يجب أن تحكي قصة جيدة حتى لا يمل القارئ حتى وإن كنت تكتب كتاباً علمياً، إن كنت تكتب عن مفهوم علمي معين يمكنك أن تحكي سريعاً كيف تم إكتشاف هذا المفهوم أو قصة طريفة عن مكتشفه أو سيناريو من حياتنا نستخدم فيه هذا المفهوم ... وهكذا.

 

من كل هذا يتضح أن مهما كنت متمرساً وخبيراً في تخصصك يجب أن تستمر في التعلم: تعلم المادة العلمية نفسها وتعلم طرق التدريس بالإضافة إلى تراكم خبرات التعامل مع الطلبة أو التلاميذ ... وقد كان لنا مقال سابق عن التعليم المستمر فلن نستفيض فيه مرة أخرى هنا.

 

لنفترض أنك حققت كل الصفات التي تحدثنا عنها وكتبت هذا الكتاب ووصل إلى أيدي الطلبة، هذا ليس نهاية المطاف لأنك تريد رأي الطلبة في الكتاب ورأي الأساتذة الآخرين ويجب أن تكون متواضع بالدرجة الكافية لتتقبل النقد من الطلبة وتحدث أو تحسن كتابك ...

 

أرجو ألا تكون مرشحاً لكتابة كتاب للطلبة فقط لأنك الأكبر سناً أو الأكثر معرفة بصانعي القرار أو لأنك ستجبرطلبتك على شراء الكتاب كي تكسب مالاً ...

 

والآن: هل تظن أنك مؤهل لكتابة كتاب للطلبة؟

 

 

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات