وصف العلي القدير نفسه أنه بديعُ السموات والأرض، مُوجِد لجميع ما فيهما فاطر الخلق على غير مثالاً سبق فلكل إنسان شيء يميزه عن الآخر.
البديع صفة ربانية ملهمة، فالله جل علاه يُلهم عباده لفهم عجائب وأسرار مخلوقاته التي توصلهم لاكتشافات جديدة لم يعرفوها من قبل فتوصف إبداعاً أو ابتكاراً وتبدأ بفكرة.
وفي ظل ما نعيشه من ثورة صناعية رابعة وتقدم تكنولوجي هائل أحدثا تغييراً جذرياً في الواقع الذي نعيشه، وأحدثا مناخاً جديداً يحفز على الإبداع و ويحث على ابتكار الشباب ويشجع تطوير البحث العلمي ويحقق النمو الاقتصادي واستحداث فرص عمل.
غادة والمترو.. والملكية الفكرية.. عناوين مختلفة وقصة أخذت مساحة من الإعلام فى الفترة السابقة لكن أين الخلاف؟ هل هو فى تنفيذ الجدارية؟ في حجمها؟ في أنواع الخامات؟ في موعد التسليم؟ الإجابة عن كل هذه الأسئلة لا.. يكمُن الخلاف في نقل ونسخ صورة (منتج فني) لها ملكية خاصة دون توثيق من صاحبها الأصلي فى عالم أشبه بقرية صغيرة تنتشر فيه البيانات بسرعة الضوء، ومن الطبيعي أن تتشابه الأفكارأو يحدث توارد لها لكن من المستحيل أن تتطابق. لا أريد أن أنكر توفير الدولة للمقومات المطلوبة لدعم فرص الشباب وشركاتهم الناشئة، إلا أنها تفتقد جزء مهم وهو التوعية بالملكية الفكرية التي تُعتبر المحفّز الأساسي للابتكار والإبداع، اللذان يتيحان للإنسان إيجاد حلول للمشكلات، وخلق فرص استثمارية، وتوليد أصول إقتصادية جديدة. فالإبداع والإبتكار بدورِهما مفتاحاً لنجاح أهداف التنمية المستدامة إذ يغطيان مساحة كبيرة في رؤية مصر 2030، ففي البعد الاقتصادي يتواجدان في محور المعرفة والابتكار، وفي محور البحث العلمي، وأيضاً في محوري التنمية الاقتصادية والطاقة، بالإضافة إلى البعد الاجتماعي، حيث أخذا مساحة مهمة فيه.
هناك ارتباط وثيق بين عدد براءات الاختراع وبين العائد الاقتصادي، حيث تحقق الولايات المتحدة الأمريكية أعلى عائد بقيمة 3 تريلونات دولار بواقع 269.586 براءة اختراع، تليها الصين بقيمة 488 مليار دولار بواقع 1.344.817 براءة اختراع، ثم تأتي اليابان بمائة مليار دولار تقريباً بواقع 227.348 براءة اختراع وألمانيا وصل العائد بها إلى 12 مليار دولار بواقع 42.260 براءة اختراع. ولم تقف العلاقة بين براءات الاختراع و العائد الاقتصادي على الدول فقط وإنما على الشركات العالمية أيضاً مثل: شركة IBM الأمريكية التي تمتلك 8.682 براءة اختراع، وسامسونج الكورية التي تمتلك 6.366 براءة اختراع، وكانون اليابانية وهواوي الصينية بواقع 3 آلاف براءة اختراع تقريباً وفقا لبيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو /WIPO) لعام 2020 إذ ترتبط زيادة براءات الاختراع بالمناخ المحفز للابتكار فى مجتمع جاذب للاستثمار والبحث والتطوير.
وفيما سبق تطرقنا للربط المباشر بين الملكية الفكرية والعائد الاقتصادي لبراءات الاختراع للدول والشركات العالمية، ووفقاً لبيانات الويبو لعام 2020 تحتل مصر المركز 96 في مؤشر الابتكار العالمي، حيث سجلت 978 براءة اختراع فقط، وهذا المركز متواضع جداً لا يتناسب مع حجم ومبادئ الجمهورية الجديدة من حيث إنجازاتها وعدد سكانها واهتمامها بالشباب، حيث احتلت المرتبة 19 بين أكبر 20 اقتصاد في العالم لعام 2020 وارتفع ترتيبها للمركز 28 في جودة الطرق لنفس العام، كما احتلت المركز 52 في جودة البنية التحتية عالمياً، وفقاً لتقرير الترتيب الدولي لمصر الصادر من المركز المصري للدراسات الأقتصادية 2020. وبالرغم من أن مصر من أقدم الدول التي اهتمت بملف حماية حقوق الملكية الفكرية منذ بدايتها وكانت واحدة من أقدم الدول التي أبرمت اتفاقية إنشاء منظمة حقوق الملكية الفكرية (ويبو) وساهمت في اتفاقية الملكية الصناعية واتفاقية التصنيف الدولي لبراءت الاختراع لسنة 1975، بالإضافة إلى اتفاقية حقوق المؤلف لسنة 1976 حتى تم سَنّ قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 الذي يتميز بحماية المصنفات الأدبية، والموسيقية، واللوحات الفنية، والتصميمات المعمارية، والأفلام، وحقوق التصنيع، والعلامات التجارية، وبراءات اختراع للمنتجات النهائية. وبالنظر إلى الإحصاءات المذكورة أعلاه نجد أن هناك فجوة، والفجوة في الحقيقية فجوتين تتمثل الأولى في الوعي بقانون حماية حقوق الملكية الفكرية والثانية في أن القانون يحمي كل شيء بعد مرحلة الفكرة فهي في الأول والآخر فكرة.
فكمْ يُسرٍ أتى من بعدِ عُسـرٍ ونأخذ أزمة جدارية المترو نقطة انطلاق لدعم الوعي بالملكية الفكرية كمحور أساسي للبحث العلمي والتطوير والانطلاقة الحقيقية نحو المستقبل بعلومة الحديثة وتكنولوجياته المبتكرة في خريطة اهتمامنا بالشباب باعتبارهم قادة المستقبل وقوتها وفرصة الأمة للنهوض والتنمية المستدامة.
وعمار يا مصر