واحد لواحد أم لثمانية - سور برلين وأنا (٣) - حسام السكرى - بوابة الشروق
السبت 16 نوفمبر 2019 1:54 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

واحد لواحد أم لثمانية - سور برلين وأنا (٣)

نشر فى : السبت 19 أكتوبر 2019 - 9:55 م | آخر تحديث : السبت 19 أكتوبر 2019 - 9:55 م

ختم الضابط جواز سفري. ناولته عشرين ماركا ألمانيا غربيا. خمسة منها رسم الدخول، والخمسة عشر الباقية وقيمتها وقتها أقل من عشرة دولارات في مقابل خمسة عشر ماركا شرقيا. واحد لواحد. كان هذا هو السعر الرسمي ولكنها لم تكن حقيقة قيمة المارك الشرقي في الأسواق. في متاجر الصرافة المنتشرة في برلين الغربية تحصل على نحو ثمانية ماركات شرقية في مقابل كل مارك غربي!

خرجت إلى الجانب الشرقي بعد أن تم تفتيش جيوبي وحقيبتي. أخذت طريقي نحو المعبر الآخر الذي طردت منه حيث كان يفترض أن تنتظرني صديقتي مشتلد. وصلت إلى المكان وتجولت حوله قليلا ثم أيقنت أنها غادرت بالتأكيد. مضت ساعتان على الأقل منذ افترقنا على الجانب الآخر من السور. شعرت بشيء من الإحباط كما لو انن كنت أتوقع أن تنتظرني في محطة فريدريش شتراسه حتى آخر العمر!

عدت مرة أخرى إلى شارع أونتر دنليندن الفخيم الذي عبرته في طريقي إلى فريدريش شتراسه دون أن آبه له كثيرا. هناك يمكنني التسكع وتناول القهوة أو الغداء. فلدي خمس عشرة ماركا كاملة ينبغي أن أنفقها قبل الرجوع.

هذا الشارع من أجمل شوارع برلين ويمتد حتى نقطة تصل إلى الحد الفاصل بين شطري المدينة خلف بوابة براندنبرج. كنت أحب مبانيه الفخمة وذلك العز المتجهم الذي طبع مدن شرق أوروبا وقتها.

ربما لا تنصف تجربتي المحدودة في العبور صورة ألمانيا الشرقية بشكل صحيح. ورغم أنني لم أكن أشعر بارتياح كامل كلما عبرت إلى الشرق، إلا أن الإنصاف يقتضي القول بأن البلد كان فيه الكثير مما يستحق الإعجاب. خاصة وقد حقق لمواطنيه مستوى لا بأس به من الكفاية.

كانت الشرقية تقدم للجميع تعليما مجانيا جيدا. وكان أكاديميوها وعلماؤها مؤهلون وعلى درجة عالية من التفوق. إضافة لأنها قدمت نظاما جيدا للرعاية الصحية استفاد منه الكل، ونظام للتشغيل الشامل لا يعرف البطالة، وتقارب طبقي لا يشذ عنه إلا طبقة المتنفذين في المكتب السياسي والحزب. الكتب كانت رخيصة، وكذا كانت حفلات الأوبرا والموسيقى الكلاسيكية والمتاحف. كان فيها كل ما يحتاج المرء ليعيش حياة هانئة كريمة بشكل ما، باستثناء شيء واحد.

لم يكن مسموحا لمواطنيها بحرية الحركة. كانوا محرومين من السفر إلى أي مكان باستثناء الدول الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي مثل بولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا والمجر التي امتد حولها سياج وهمي أطلق الغرب عليه اسم "الستار الحديدي". قدم النظام لمواطنيه الغذاء والكساء والتعليم والصحة والسكن، ولكنه حرمهم من أعز ما يخلقون به. حرمهم من الحرية، وحكمهم بالخوف.

فكرت في الذهاب إلى جزيرة المتاحف ودخول متحف برجامون لقضاء بعض الوقت إلا أن صديقتي مشتلد كانت تحتل تفكيري. هل تمكنت من العبور بالفعل أم أن ضباط الحدود منعوها كما فعلوا معي أول مرة؟

تشتت ذهني عندما اقترب مني على حين غرة رجل مهندم في العقد الثالث من العمر. شعر رمادي وملامح جامدة متلصصة. يرتدي سترة بنية وبنطالا كحليا يشبهان ما يرتديه نصف المارة في هذا الشارع العريض. "معذرة".. بادرني وهو ينظر إلى بنظرة متفرسة. "هل تريد تغيير بعض الماركات الغربية. واحد إلى ثمانية". شعرت بالذعر. إذ كنت أسمع أن رجال البوليس في ألمانيا الشرقية يصطنعون هذه الحيل للإيقاع بالمتاجرين في العملة، وأن استبدال بضعة ماركات في السوق السوداء هناك قد ينتهي بك إلى السجن.
(يتبع)

برلين وأنا (1): bit.ly/01Berlin
برلين وأنا (2): bit.ly/02Berlin

التعليقات