أربعة دروس للأمن الغذائى العربى من الحرب الروسية على أوكرانيا - عاصم أبو حطب - بوابة الشروق
السبت 22 يونيو 2024 1:58 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

أربعة دروس للأمن الغذائى العربى من الحرب الروسية على أوكرانيا

نشر فى : الثلاثاء 21 مايو 2024 - 6:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 مايو 2024 - 6:10 م

مر أكثر من عامين على اشتعال فتيل الحرب الروسية على أوكرانيا، ولا يزال الصراع مستمرا، ورغم تباين وتيرة العمليات العسكرية صعودا وهبوطا خلال الأشهر الماضية؛ إلا أنه ليس ثمّة ما يدعو للاعتقاد أن الحرب ستضع أوزارها قريبا، لا سيما فى ضوء الاستعدادات الضخمة التى يقوم بها الجيش الروسى، والإصرار الكبير لأمريكا وحلفائها على الاستمرار فى دعم أوكرانيا. وبعيدا عن الآثار العسكرية والمأساة الإنسانية التى خلفتها المعارك من دمار وقتلى ولاجئين؛ فقد كان لهذه الحرب تداعيات كارثية على الأمن الغذائى للدول النامية، ومن بينها العربية، حيث تسببت فى اضطرابات سلاسل الإمداد الغذائى وتضخم أسعار الغذاء لمستويات غير مسبوقة؛ وذلك لاندلاعها فى وقت كانت لا تزال فيه سلاسل الغذاء تتعافى من تأثير جائحة كورونا، إلى جانب الدور المحورى الذى يلعبه طرفا الصراع فى السوق العالمية للعديد من الحاصلات الزراعية الاستراتيجية.

وعلى الرغم من الاهتمام البالغ الذى حظى به تأثير هذه الحرب على الأمن الغذائى خلال الشهور الأولى للقتال، فإنه سرعان ما انصرف عنه إلى الآثار العسكرية المباشرة كحجم الدمار وعدد القتلى وغيرها. وخلال الأسابيع الأخيرة، خاصة بعد استخدام مسئولين عسكريين ودبلوماسيين روس لــكلمة «الحرب» بدلًا من «العملية العسكرية الخاصة» فى التعبير عن التدخلات العسكرية فى أوكرانيا، فقد تجدد الاهتمام مرة أخرى بأبعاد الأمن الغذائى للحرب خوفا من تكرار سيناريوهات الشهور الأولى التى أعقبت بداية العمليات العسكرية فى 2022، وما نتج عنها من موجات تضخمية عاتية شلت أسواق الغذاء فى الدول النامية.

فى هذا الصدد، يستعرض هذا المقال أربعة دروس تتعلق باستراتيجيات الأمن الغذائى التى قد تساعد صناع السياسات الزراعية فى منطقتنا على تعزيز قدرات نظمنا الغذائية على استيعاب الصدمات الخارجية والتكيف مع تداعياتها؛ مما يضمن عبورا آمنا واجتيازا مرنا لها بلا انعكاسات سلبية على توافر الغذاء وأسعاره، وبلا انتكاسات فى مستويات الأمن الغذائى.

• • •

أولاً، أبرزت الحرب التعولـم المتزايد بوتيرة غير مسبوقة لسلاسل الإمداد الغذائى المعاصرة، والتى أضحت تضم شبكات شديدة التعقيد من المؤسسات والمنظمات التى تتداخل أنشطتها وتتفاعل مكوناتها عبر علاقات تكاملية وتبادلية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وبصورة جعلت صراعا عسكريا بين جارتين (روسيا وأوكرانيا) تقعان على بعد آلاف من الأميال من منطقتنا يشكل تهديدا لأسواق الغذاء ويدفع الملايين نحو غياهب الفقر والجوع ومشكلات سوء التغذية. ولم يكن ذلك مستغربا، ومنطقة البحر الأسود حيث تقع الدولتان المتصارعتان تُصدّر ما لا يقل عن 12% من السعرات الحرارية الغذائية المتداولة عالميا، بل إن نصف إمدادات الغذاء التى يقدمها برنامج الغذاء العالمى لمساعدة الدول الفقيرة تأتى من الدولتين. ومما زاد الأوضاع تأزما فى منطقتنا هو اتسام وارداتنا الغذائية بالتركز الجغرافى؛ مما يجعلها شديدة الحساسية لتغيرات العرض وتقلبات أسعار الغذاء العالمية. فعلى سبيل المثال، تعتمد لبنان، البلد الغارق أساسا فى الأزمات السياسية والاقتصادية قبل اندلاع الحرب، على أوكرانيا فى سد 80% من وارداتها من القمح، وكذلك فمصر تعتمد على روسيا وأوكرانيا فى توفير نحو 50% و30% من وارداتها من القمح، على الترتيب. ولذلك فالدرس الأول هنا هو ضرورة الاستثمار «الجاد» فى نظم الزراعة المستدامة وحاجتنا الملحة إلى جهود دءوبة لتعزيز القدرات الإنتاجية لنظم الإنتاج الزراعى المحلية، إلى جانب العمل على تنويع مصادر الورادات فى المدى القصير وزيادة مستوى التبادل التجارى والتكامل الغذائى بين دول المنطقة، مما يحد من تأثير الصراعات الجيوسياسية والتغيرات الاقتصادية على إمدادات الغذاء وأسعاره.

• • •

ثانيا، ألقت الحرب الضوء على العلاقات الارتباطية بين النظم الغذائية وغيرها كنظم الطاقة العالمية على وجه الخصوص؛ حتى صارت جذور أغلب الأزمات التى تتعرض لها النظم الغذائية اليوم تنبت فى أنظمة أخرى ليس لها علاقة مباشرة بالزراعة والغذاء. فعلى سبيل المثال، رغم أن جائحة كورونا أزمة للنظام الصحى ليس لها علاقة مباشرة بالأمن الغذائى؛ إلا أنها رفعت أعداد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائى إلى ما يزيد على مائة مليون شخص فى العالم. كذلك هو حال الحرب الروسية الأوكرانية، والتى هى فى الأساس أزمة جيوسياسية، ولكنها أدت إلى اضطرابات فى سوق الطاقة العالمى تخطى على أثرها سعر برميل البترول حاجز المائة دولار لأول مرة منذ 2014؛ الأمر الذى أدى إلى ارتفاع أسعار الغذاء فى مايو 2022 بنسبة 12.6%، وارتفعت أسعار القمح بنسبة زيادة بلغت 40% بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والنقل. كذلك، فقد تسببت الحرب فى ارتفاع أسعار الأسمدة على أثر الارتفاع القياسى فى أسعار الغاز الطبيعى بسبب تراجع صادرات روسيا منه؛ الأمر الذى جعل المزارعين فى كثير من الدول العربية، والتى تستورد ما بين 20% إلى 70% من الأسمدة من روسيا، أمام خيارين أحلاهما مر، فإما تقليل استخدام الأسمدة والذى يؤثر سلبًا على الإنتاجية، وإما شراء الأسمدة بأسعار عالية ترفع تكلفة الإنتاج، وهو ما ساهم أيضا فى الموجة التضخمية لأسعار الغذاء خلال العامين الماضيين. وبالتالى؛ فالدرس المستفاد هنا لصانعى السياسة الزراعية هو ضرورة استخدام أساليب تخطيط أكثر شمولية، بحيث لا تقتصر نظرتهم على سلسلة الإمداد الغذائى ومؤسساتها ولاعبيها فقط؛ بل يجب أن يكون للسياسات الزراعية القدرة الكافية على رؤية الصورة الكاملة بجميع مكوناتها وذلك بإدراج مكونات النظم الأخرى وأنشطتها والتى قد تؤثر بشكل غير مباشر على استقرار إمدادات الغذاء فى الاعتبار عند صياغة استراتيجيات الأمن الغذائى؛ فليس كل ما يؤثر على أسواق الغذاء زراعيا أو غذائيا؛ وإنما قد يكون أبعد من ذلك بكثير كجائحة صحية، أو حرب إقليمية، أو أسواق بترولية، أو أزمات مناخية وكوارث طبيعية. 

• • •

ثالثا، كرست الحرب مصطلح «أسلحة أو تسليح الغذاء»، أى استخدام الغذاء كسلاح لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية خلال الحروب والنزاعات المسلحة. فعلى سبيل المثال، شكل انسحاب روسيا من اتفاقية تصدير الحبوب والأسمدة عن طريق البحر من أوكرانيا فى 2023، مثالا صريحا لتسليح الغذاء؛ بل وكان جزءا من استراتيجيتها التفاوضية لتخفيف العقوبات الغربية عليها وإلغاء تجميد أصولها الدولية. وقد سبب هذا التسليح تراجعا حادا فى صادرات السلع الزراعية الأوكرانية الحيوية مما أضر بحوالى 400 مليون شخص فى جميع أنحاء العالم، ممن يعتمدون على واردات الغذاء من أوكرانيا. وهناك بعد آخر لفكرة الأسلحة، وهو التسليح «الدفاعى»؛ حيث فرضت 27 دولةً من الدول المنتجة والمصدرة للغذاء قرارات للحظر أو الحد من تصدير السلع الغذائية فى أعقاب اندلاع الحرب لتخوُّفها من تفاقم أزمة الغذاء العالمية ورغبتها فى زيادة الإمدادات المحلية وخفض الأسعار. لذا فالدرس الثالث: أنه يجب مراجعة سياساتنا الزراعية التى جعلت أمننا الغذائى بأيدى غيرنا يعبث به كيف يشاء، كما يجب على حكومات المنطقة تفعيل الأدوات الدبلوماسية والسياسية اللازمة لمنع عمليات تسليح الغذاء، ودعوة المجتمع الدولى للضغط على الدول المصدرة للغذاء لمنع أى إجراءات تقييدية غير مبررة على صادراتها، بحيث لا يتم معاقبة سكان دولنا على حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل فى الوقت الذين يعانون فيه بالفعل من انعدام الأمن الغذائى. ولعل هذه الأزمة، تعيد التأكيد على الضرورة الملحة لزيادة حصة قطاع الزراعة من الإنفاق الحكومى وتشجيع الاستثمارات ودعم صغار المزارعين لزيادة الإنتاج المحلى ورفع مستويات الإنتاجية بشكل يقلل من الاعتمادية غير المستدامة على أسواق الغذاء العالمية.

• • •

رابعا، فنحن أمام جرس إنذار ينبهنا للتداعيات الأخطر لتضخم وتقلبات أسعار الغذاء والتى قد تتعدى نواحى الأمن الغذائى إلى تحفيز الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. فتشير أدبيات اقتصاديات التنمية إلى أن تضخم أسعار الغذاء المحلية يقلل بشكل حاد من القوة الشرائية للأسر الفقيرة فى الدول النامية، باعتبار متوسط إنفاق الأسر فى منطقتنا على الغذاء يمثل حوالى 45% من دخلها الشهرى؛ وبالتالى فتضخم أسعار الغذاء يؤدى حتما إلى رفع مستوى التضخم العام من خلال التوقعات التضخمية ومطالب العمال بزيادة الأجور. ولذلك، فقد رأينا أن ارتفاع أسعار الغذاء قد ساهم فى إشعال فتيل الاضطرابات الاجتماعية التى حدثت فى دول جنوب الصحراء الإفريقية فى 2014، كما كان عاملًا حاسمًا فى ثورات «الربيع العربى» والتى كانت أولى كلمات شعارها «عيش». ومؤخرا،  قد كان أحد الأسباب الرئيسية لسقوط النظام السياسى فى سيريلانكا. وبالتالى، فعدم استقرار أسعار وإمدادات الغذاء قد يشكل عاملاً حافزا لصراعات داخلية تهدد استقرار النظم الاجتماعية والسياسية. وبناءً عليه، فمن الضرورى أن تعمل الحكومات خلال الأزمات الغذائية على تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية وضمان الأمن الغذائى للفئات الفقيرة والأكثر احتياجا، سواءً من خلال زيادة قوتهم الشرائية أو عن طريق توفير الغذاء مباشرةً من خلال مبادرات حكومية أو مجتمعية؛ إلى جانب العمل بشكل فعال على بناء القدرات الإنتاجية لأنظمة الغذاء وتعزيز قدرتها على التحمل والاستعداد للتعامل مع الصدمات والأزمات المستقبلية. 

عاصم أبو حطب أستاذ مساعد بقسم الاقتصاد بالجامعة السويدية للعلوم الزراعية
التعليقات