التدين والتحرش - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 3:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


التدين والتحرش

نشر فى : السبت 21 يونيو 2014 - 5:45 ص | آخر تحديث : السبت 21 يونيو 2014 - 5:45 ص

هناك مقولة تتردد دائما فى وسائل الإعلام والمؤتمرات تقال كأنها أمر مفروغ منه هى «أن الشعب المصرى شعب متدين». والذين يرددون مثل هذا التعبير لهم العذر بسبب أمرين، الأول ربما يعتقدون أن التدين هو التعبد، أو يخلطون بين التدين والتعبد، فالتعبد هو إقامة الفرائض بانتظام واخلاص وحماس مثل الصوم والصلاة والزكاة، وإعلان الإيمان بتعبيرات واضحة مثل الشهادتين والبسملة فى الإسلام والمسيحية، وهذا هو التعبد الحقيقى لله الذى أعلنه بالوحى فى كتبه المقدسة. والشرط الوحيد لاعتبار هذه العبادات مقبولة لدى الله هو إخلاص القلب والنية، لكن التعبد بإخلاص ليس هو التدين.

أما الأمر الثانى، أنهم يفهمون معنى التدين لكنهم لا يركزون فيما يحدث فى الشارع المصرى، فبنظرة بسيطة إلى الشارع المصرى نلاحظ الفوضى الضاربة والدم المسال والتحرش الذى بلغت فيه مصر المرتبة الثانية بعد افغانستان. فمصر هى البلد الوحيد الذى يقف البوليس على أبواب كنائسها وتجمعات صلاة العيد لكى يحمى النساء من التحرش، وأيضا على أبواب المدارس وفى الجامعات، وفى ذات الوقت نجد انتشار المخدرات بصورة غير مسبوقة وكذلك الجريمة والخيانة الزوجية، وارتفاع نسبة حوادث الطرق والجرائم التى تعتبر من أعلى المعدلات فى العالم. فكيف يردد البعض مقولة أن المصريين متدينون؟.

التدين ببساطة يعنى تطبيق التعاليم الدينية فى الحياة اليومية فى علاقة الشخص ببيته (زوجة واولاده) فى عمله باجتهاد وأمانة (العمل عبادة) احترام حرية الآخرين خاصة من النساء.. فالدين المعاملة.

•••

دعونا نتأمل معا فى أسباب زيادة معدل التحرش فى مصر، يردد البعض أن من اهم اسباب التحرش لبس المرأة الخليع، وكلمة الخليع كلمة نسبية فالذين يطلقون عليه (خليع) كانت تلبسه امهاتنا وجداتنا فى الاربعينيات والخمسينيات والستينيات وحتى منتصف السبعينات عندما استدعى السادات الجماعات الاسلامية لكى تحكم الجامعات نكاية فى الشباب اليسارى والليبرالى، هذا فضلا عن ان التحرش طال المحجبات والمنقبات فترى ما هو الملبس الذى ترتديه المرأة حتى تضمن الا يتحرش احد بها ؟ إن من يتحدث عن ان لبس المرأة سبب للتحرش يسب الشباب والرجال المصريين وليس المتحرش بهن، فهو يصور شباب مصر كحيوانات ضالة بلا عقل ولا أخلاق، تتلفت حولها لترى انثى ما فتهجم عليها، مثلهم مثل ما نراه من حيوانات الشارع عندما يرون انثى من فصيلتهم يتجمعون حولها ويتنافسون من يفوز بها وفى النهاية يتركون الحيوان الأقوى يتعامل معها ويمضون.. أما فى عالم الانسان فى مصر ينهالون عليها جماعة، وهنا نحن لسنا أمام تحرش جنسى بقدر ماهو عنف شديد ضد المرأة التى يعتبرونها فاسقة لأنها خرجت لتؤكد حريتها ومشاركتها فى القرار السياسى لكن هذا لا يعجب الكثيرين.

والأزمة هنا فى الخطاب الدينى الذى ينظر للمرأة نظرة دونية لكونها أنثى تحمل وتلد، ويعتبر الحيض نجاسة ويتصور أن هذه الأمور تنقص من قدرتها وعقلانيتها.. وبالطبع يوجه هذا الخطاب إلى أناس لا يستقون الدين الصحيح من منابعه، المستنيرة، بل هم لا يقبلون أى مصادر سوى تلك التى تحتقر المرأة. وهذه الدعاوى تلاقى هوى لدى غالبية الذين ينظرون إلى المرأة كمنافس لهم فى العمل أو فى قوة الشخصية واتخاذ المناصب العليا والعامة، خاصة اذا كانت هذه المرأة زوجة أو اخت فيشعرون بعقد النقص من نحوهن، وهذا عندما يعضد بالتفسير الدينى السطحى والمنحرف هنا تكون الطامة الكبرى. إن الذين يقومون بالتحرش لا يشعرون بأدنى تأنيب للضمير لأن ضميرهم قد تربى دينيا ومجتمعيا على أن المرأة هى مصدر الخطيئة ومركز الغواية، وأن الرجل هو ضحيتها، وهذا الفكر يردد يوميا فى المسلسلات والأفلام والإعلام.

•••

أما علم النفس فيتحدث عن أن المتحرشين مجموعة من المرضى النفسيين الذين يعانون من كثير من العقد، وأن التحرش بالنساء يأتى نتيجة أمرين: الأول كبت الحريات، فقد ثبت أن المجتمعات المكبوتة تزداد فيها نسبة التحرش والانفلات الأخلاقى والخيانة الزوجية، ففى بلدان مثل سويسرا وفرنسا وأمريكا لا تزيد النسبة عن دول الخليج ومصر وليبيا، الفارق أن هذه الأمور تحدث فى النور عند الغرب ويتحمل أصحابها مسئوليتها، أما فى منطقتنا فتحدث فى الخفاء وتتحمل مسئوليتها المرأة بمفردها، لذلك فالنسبة هنا أعلى كثيرا من هناك.

•••

وهنا علينا ان نتذكر أمرين فى منتهى الخطورة، الاول هو أن التحرش جزء من منظومة كاملة فاشلة تتحكم فى المجتمع، فرجل المرور يتحرش بسائقى السيارات ليرشوه حتى يتغاضى عن مخالفاتهم، والبائع الذى يضع بضاعته امام محلات كبرى او فى منتصف الشارع ويشهر سلاحه جيئة وذهابا حتى لا يعترضه احد، هذا فضلا عن الباشا الذى يسير بسيارته عكس الطريق او يقف فى منتصف الشارع متحرشا بكل المحيطين به مستعدا للقتال.. ولعلك تذكر عزيزى القارئ من تحرش بك وانت تجدد الرخص الخاصة بك أو تحاول إنهاء أوراق من مصلحة حكومية، إنها منظومة متكاملة من التحرش، أما الأمر الثانى وهو الأهم كيف نعالج التحرش؟ بينما مناهج التعليم تحتقر المرأة، والخطاب الدينى يرذلها، والمستوى الجامعى أصبح من أسوأ المستويات فى العالم.. والسؤال هو من يعلم من؟ إن المثقفين المخلصين فى هذا البلد القادرين على تقديم ما يفيد المجتمع مرفوضون من الإعلام والتعليم علاوة على أنهم أصبحوا قلة صغيرة جدا، ونفس الأمر ينطبق على الخطباء الدينيين المستنيرين.. كيف يقفون أمام خطاب دينى متعصب جاهل مكتسح شعبيا بطبيعته لأنه يغازل غرائز البشر التى تميل إلى العنف واحتقار المرأة والآخر المختلف.

إن مصر ــ بلا شك ــ فى مأزق حقيقى والدليل ذهاب رئيس الجمهورية إلى السيدة المتحرش بها ليعتذر ويعدها بعدم تكرار هذا، أن يضطر الرئيس لهذا التصرف هو إعلان بأننا نحتاج إلى معجزة للخروج من هذا المأزق.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات