اشغل نفسك بالحياة - نبيل الهادي - بوابة الشروق
السبت 5 ديسمبر 2020 7:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

مع أم ضد استمرار التعليم عن بُعد إذا انتهت أزمة كورونا؟

اشغل نفسك بالحياة

نشر فى : السبت 21 نوفمبر 2020 - 8:45 م | آخر تحديث : السبت 21 نوفمبر 2020 - 8:45 م

هذا ما نطق به الفنان الرائع ذو الصوت العميق مورجان فريمان فى الفيلم الخالد «خلاص شاوشنك»، اشغل نفسك بالحياة أو اشغل نفسك بالموت». ولكن هل يمكنك سواء باستعارة صوت مورجان فريمان أو صوت المغنى الرائع رحمة الله عليه محمد فوزى أن تطلب من أى من ساكنى ميت رهينة المستقرة فوق مدينة منف العاصمة الموحدة الأولى لمصر القديمة أن يشغل نفسه بالحياة بدلا من البحث عن بعض الآثار الواقعة تحته، لعله يصادف ما يعتبره كنزا ويتمكن من بيعه بصورة أو بأخرى لمن يستطيعون أن يدفعوا فيه ثمنا كبيرا. فى هذه البلدة الساكنة فوق التاريخ يضطر عدد لا بأس به من المواطنين لشراء كميات من المياه يوميا من بعض ممن يقومون باستخراج المياه الجوفية وفلترتها ثم تعبئتها وبيعها ولا أدرى إن كان ذلك بمراقبة من الجهات الصحية. يضطر هؤلاء الناس لشراء الماء فى عبوات بلاستيكية من تلك الأماكن يوميا أو كل بضعة أيام لأن المياه التى من المفترض أن تصلهم فى الصنابير لا تستمر للفترة التى تفى باحتياجاتهم. أحصت إحدى طالباتى منذ عام نحو ستة أماكن يتم فيها استخراج وفلترة المياه وبيعها للأهالى فى تلك المنطقة، وهو ما يشير إلى اعتماد نسبة لا بأس بها من السكان على تلك الخدمات لاستيفاء احتياجاتهم من المياه. رأيت أيضا واقعا مشابها لعدة سنوات فى إحدى قرى الدلتا وهناك تقارير صدرت من عدة سنوات عن تلك الظاهرة. ما يثير التساؤل هنا هو أنه إذا كانت المياه الآمنة النظيفة هى إحدى مكونات قاعدة هرم ماسلو للاحتياجات الأساسية للإنسان يعلوها أربع طبقات تنتهى بتقدير الذات. فلك أن تتصور أحد التحديات الرئيسية التى قد تعيق بحثا دءوبا ومشروعا للإنسان فى بحثه عن حياة كريمة تليق به وبأولاده .
***
فى زيارة قريبة لميت رهينة مع طلابى لاحظت إحدى الطالبات أنه بينما كان يخرج التلاميذ الصغار من المدرسة، رأت بعض الأطفال فى نفس عمر التلاميذ مشغولين بمساعدة أهلهم فى بعض الأعمال، وهو مما لا شك فيه يعيق بعض الأطفال من تلقى ما يحتاجون من تعليم ضرورى لمواجهة أعباء ومسئوليات الحياة فى المستقبل. ما كان موجعا بصورة أكبر بالنسبة لى هو أن تلك المدرسة والتى يلتصق بالحد الغربى لها مصرف زراعى يمتلئ بالقمامة ولا تكاد المياه تتحرك به. وتشتكى الجهات المسئولة عن الصرف الزراعى من سلوكيات الساكنين ليس فقط بإلقائهم القمامة فى المصرف ولكن أيضا فى عمل وصلات للصرف الصحى المنزلى مباشرة على ذلك المصرف مما يحمله عبئا لا يحتمله. ولكن ماذا عن تأثير ذلك على صحة الناس؟ وماذا عن التلاميذ الذين يضطرون للتعود على التواجد والتعلم فى هذا الجوار؟... أحد التلاميذ الصغار أخبرنى العام الماضى أنهم يسمونها مدرسة المجارى.
رأيت من يبيعون الأسماك فى برج رشيد، يبيعون سمك المزارع السمكية المنتجة فى الأقفاص العائمة فى النيل أو فى الأراضى التى تحولت لمزارع سمكية نظرا لملوحة التربة وقلة مياه الرى، ولاحظت أن سعر الأسماك يقل إذا كان مصدرها من تلك المزارع. ولأن الإدارات الحكومية لا تعترف برسمية بعض من تلك المزارع فلا يتم توجيه مساعدة لتطوير تلك الأنشطة ومساعدتها على تحسين نوعيتها لدعم الاقتصاد والأهم لدعم صحة المستهلكين للأسماك المنتجة من تلك المزارع.. ولم أستطع فهم سبب ترك الحكومة الناس فى هذا المكان ــ وفى أماكن أخرى ليست بعيدة ــ بدون مساعدة حقيقية ــ يستحقونها بلا شك ــ لكى يستطيعوا أن يكونوا منتجين ذوى فائدة لأنفسهم وأهلهم وأيضا للمجتمع، خاصة فى ظل مواجهة تحديات بيئية كبيرة آخذة فى التزايد ليس لهؤلاء البسطاء يد فيها. وفى ظل تلك التحديات وقلة الفرص للعمل، لفت انتباهى فى زياراتى المتعددة لبرج رشيد رؤية قليل من الشباب الذين يعملون فى المهن التقليدية فى تلك المنطقة ويشغلنى التفكير فى ماهية الحياة التى يريدها هؤلاء الشباب لأنفسهم ولأولادهم من بعدهم وأين ومتى يرون إمكانية تحقيقها.
***
لم يكن كاتب سيناريو الفيلم الرائع «خلاص شاوشنك» بالطبع يقصد من كلمة الحياة المجون أو الملذات، ولكنه كان يقصد الحياة الحرة التى يستطيع الإنسان فيها أن يختار لنفسه ما يحب أن يفعله ويقوم به وفى المكان الذى ربما يريد فيه ذلك. يحكى الفيلم عن الظلم الذى تعرض له الموظف اللامع بأحد البنوك وكيف أنه لم يدع كل الشرور والمآسى الحادثة بداخل ذلك السجن أن تكسر روحه وتحوله إلى شىء آخر غير ما يريد. وكيف أنه فى سعيه هذا استعان بذكائه عندما واتته الفرصة وأخذ يخطط لسنوات عدة كيف ينجو من هذا المستنقع الذى يرمى فيه المجرمون وكان من سوء حظه أن وقع هو فيه أيضا. لم يصوره المخرج يبكى (على ما أتذكر) بل كان وجهه به من بعض البشاشة حتى فى أحلك أوقاته وربما هو مقصود كتعبير عن النفس التى لا تحمل شرا وتتمسك بالأمل. بدلا من أن يشكو ظلم الحياة وعدم العدالة، حاول بكل ما لديه من طاقة وعقل أن يحول أحلامه إلى واقع لأنه كان يرى نفسه مستحقا للعيش الكريم. ربما يكون الفيلم بالنسبة للبعض أحسن ما أخرجته السينما ولكن ما يهمنى أنه كلما شاهدت الفيلم أو تذكرت بعض أحداثه وخاصة تلك المقولة التى تكاد أن تكون خالدة تصيبنى بعض السعادة ويضربنى بعض الأمل.
أستاذ العمارة بجامعة القاهرة.

التعليقات