لا تفقدوا دمشق! - خالد سيد أحمد - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 5:57 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

لا تفقدوا دمشق!

نشر فى : الجمعة 21 ديسمبر 2018 - 10:55 م | آخر تحديث : الجمعة 21 ديسمبر 2018 - 10:55 م

فاجأ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، العالم مساء الأربعاء الماضى بقراره سحب القوات الأمريكية من سوريا «فورا» بعدما تم «دحر داعش»، الأمر أثار قلقا عميقا فى الكثير من العواصم الغربية، وحالة من «الصمت الغريب» فى بلاد العرب، رغم أن هذه الخطوة تعنى عمليا، تسليم سوريا بشكل تام إلى المحور الإيرانى الذى يتمدد ويتوغل فى المنطقة العربية.
ترامب قال فى سلسلة تغريدات تبريرا لقراره إن «الخروج من سوريا لم يكن مفاجئا.. أطالب به منذ سنوات، وقبل 6 أشهر، عندما عبرت علنا عن رغبتى الشديدة فى فعل ذلك، وافقت على البقاء لمدة أطول». وتابع: «هل تريد الولايات المتحدة الأمريكية أن تصبح شرطى الشرق الأوسط وألا تحصل على شىء سوى بذل الأرواح الغالية وإنفاق تريليونات الدولارات لحماية آخرين لا يقدرون.. حان الوقت أخيرا لأن يحارب آخرون».
هناك عوامل كثيرة تقف وراء هذا القرار، أهمها ان الفضائح المتتالية التى تلاحق ترامب، سواء ما يتعلق منها بتحقيقات التدخل الروسى فى الانتخابات أو العلاقات الجنسية التى تورط فيها، قد أثرت بشكل كبير على شعبيته، الأمر الذى دفعه إلى الإقدام على اتخاذ مثل هذا القرار لمغازلة الداخل الأمريكى من أجل استعادة شعبيته المتدهورة، عبر الترويج إلى أنه أوفى بالوعود التى قطعها على نفسه اثناء حملته الانتخابية.
المبرر الثانى لهذا القرار، هو رغبة ترامب فى جر بلاده إلى حالة من «الانعزالية» على المسرح الدولى، عبر الانسحاب من جميع مناطق النزاع والصراع فى العالم، خصوصا فى المنطقة العربية ــ التى يرى أنها تكلف الميزانية الأمريكية أموالا طائلة بدون مقابل ــ والانكفاء على الداخل، كترجمة حقيقية للشعار الذى رفعه خلال حملته الانتخابية «أمريكا أولا»، والذى يستهدف وضع مصالح المواطنين الأمريكيين فوق كل اعتبار.
هناك مبرر ثالث لهذه الخطوة، عبّر عنها ترامب فى تغريداته، بقوله «حان الوقت أخيرا لأن يحارب آخرون»، إذ يعتقد الرئيس الأمريكى أنه على دول هذه المنطقة أن تحارب معاركها بمفردها، وبالتالى فإن قراره ربما يتمخض عنه تسريع فكرة إنشاء تحالف أمنى عربى، والذى يطلق عليه بشكل غير رسمى اسم «الناتو العربى»، كما أنه يحمل أيضا أسماء مثل «ميسا» أو«تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى».. هذه الخطوة إن تمت فستكون لها فوائد كبيرة وفق تصور ترامب، وهو جنى أموال كثيرة جراء بيع عتاد عسكرى كبير لهذا التحالف، وكذلك توثيق علاقات إسرائيل مع هذا الكيان المرتقب!.
أيا كان المبرر الذى دفع ترامب إلى اتخاذ مثل هذا القرار، فإنه بلا شك أثار حالة من الجدل الكبير داخل الولايات المتحدة نفسها قبل غيرها، إذا أعلن وزير الدفاع الأمريكى جيم ماتيس، استقالته من منصبه، مبررا ذلك بأن «الرئيس الأمريكى يحتاج إلى وزير دفاع يتسق مع أفكاره».
مسئول دفاعى أمريكى فضل الكشف عن هويته، قال لوكالة رويترز إن «مسئولى وزارة الدفاع البنتاجون يرون على نطاق واسع أن قرار ترامب يخدم مصالح روسيا وإيران، اللتين استخدمتا دعمهما للحكومة السورية فى تعزيز نفوذهما الإقليمى»، مضيفا أن «خطة الانسحاب باغتت القادة العسكريين الأمريكيين».
انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، يخلق بالتأكيد واقعا جديدا فى المنطقة، يبدو أن الدول العربية لم تستعد بعد للتعامل معه، وليس لديها سيناريوهات متعددة لمواجهته، وهو ما يرسخ هيمنة طهران على دمشق لتنضم إلى المحور الإيرانى فى المنطقة مع بيروت وبغداد وصنعاء.
الحل الذى يمكن العمل عليه سريعا من أجل استعادة دمشق إلى الحضن العربى، هو تبنى المقاربة المصرية لحل الأزمة السورية، والتى تطرحها القاهرة منذ زمن طويل، وتتمثل فى دعم التوصل إلى حل سياسى للأزمة فى سوريا يحافظ على مؤسسات الدولة السورية دون انهيارها، والبدء فى إعادة إعمار البلاد، كخطوة فى طريق إعادة الاستقرار. القضية الآن ليست وجود بشار الأسد على مقعد الحكم أم لا.. القضية فى استعادة سوريا إلى الحضن العربى مرة أخرى، حتى لا نعض أصابع الندم على تركها تضيع إلى الأبد.

التعليقات