الجورنالجى والشمشرجى - طلعت إسماعيل - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 6:22 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

الجورنالجى والشمشرجى

نشر فى : الإثنين 22 فبراير 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : الإثنين 22 فبراير 2016 - 9:30 م

رغم طوفان الكتابة عن رحيل «الأستاذ»، سيظل الكاتب الكبير حاضرا ولفترة مشرعة على الأيام فى قلوب وعقول محبيه، فلم يكن محمد حسنين هيكل ظاهرة فريدة فى الصحافة المصرية والعربية والعالمية، فحسب، بل كان تجسيدا حيا لقدرة الشعب المصرى على تقديم أفضل إسهاماته فى ركب التنوير، رغم كل الظلام الذى أحاط ويحيط بمصر على مدى سنوات من القهر والظلم، ومن الفساد والتبعية.

عقب وفاة الأستاذ، سارع الصحفيون على اختلاف مشاربهم، وتبارى الإعلاميون مع تعدد منابرهم، فى الحديث وباستفاضة عن هيكل الإنسان، والمفكر والمثقف، الكاتب والمحلل، صانع الأحداث، والمشارك فى القرار السياسى، وعن هيكل المعتقل فى سجون السادات، وصاحب الرحلة الطويلة مع 6 رؤساء وملك، ومع ذلك سيظل هناك المزيد من المحطات التى تحتاج إلى بحث وتنقيب فى حياة الرجل.

أحد الزملاء انتقد حديث المئات من الصحفيين والسياسيين عن معرفتهم بالأستاذ وقربهم منه، مستكثرا على هؤلاء صدق القول، مشيرا بطرف خفى إلى أننا أمام مدعين للقرب برجل بات اليوم فى ذمة الله، رغم أن الكاتب الكبير كان مواكبا لكل الأحداث ومعايشا للأزمات التى تمر بها مصر، مفضلا بشكل دائم الوصول لمنابع الأخبار على تنوعها، من مصادرها المباشرة، ولنا أن نتصور كم اللقاءات والمواقف، التى يحق لأصحابها التباهى بمعرفة الأستاذ من خلالها عن قرب.

لا نود التشكيك فى شهادات الناس، فمن حق كل من التقى هيكل ولو بشكل عابر، أن يعتبر نفسه من المحظوظين، بحجم الطاقة الإيجابية التى كان يولدها، ويشع بنورها على كل من يحاوره أو يلتقيه، ولا يجب أن ننزعج من كثرة الكتابات التى تأخذ أبعادا ذاتية، ربما تنم عن التباهى أكثر من الرغبة الصادقة فى إضافة جوانب غير معروفة عن «الأستاذ»، وهى شهادات من حق أجيال قادمة الإطلاع عليها.

مسيرة الأستاذ الصحفية والسياسية، ورغم كونها كتابا مفتوحا لدى البعض سهل القراءة والفهم، إلا أنها مثار جدل لدى البعض الآخر، ممن يرون فى اقترابه وابتعاده عن السلطة ساحة للاختلاف، ومادة للتأييد، أو الانتقاد، وهذا الكلام قد ينسحب حتى على أصحاب الفكر الواحد والنضال المشترك الذى مثل الأستاذ أحد رموزه العظام.

ستظل علاقة هيكل وعبدالناصر، وخلاف الأستاذ مع السادات، ولقائه بمبارك، مادة ثرية للبحث والتنقيب فى شخصية الراحل الكبير، وهى حق للدارسين والباحثين فى تاريخ الوطن، والساعين إلى معرفة عيوبنا قبل مميزاتنا، علنا نقف فوق أرض أكثر صلابة ونحن نواجه الرياح العواتى بصدور مكشوفة، ونصارع للبقاء تحت سماوات مهدد بالغيوم والعواصف.

ترك هيكل إرثا ضخما من الكتابات التى ضمت خلاصة خبرته الطويلة مع الحياة، كما أعطانا دروسا مهمة، تؤكد جميعها على أن الصحفى قيمة لا يجب التفريط فيها، فقد اختارك المجتمع للعب دور اللسان الناصح الأمين، وليس البوق المنافق الرخيص، وهو فرق لو تعلمون عظيم.

لم يكن هيكل من حملة المباخر، ولا من جماعة السمع والطاعة يتلقى الأوامر من فوق، ولم يكن يوما ممن يسعون لإرضاء السادة الكبار على حساب ضميره الوطنى، ظل إلى آخر يوم فى حياته محافظا على دور «الجورنالجى» مقابل من اختاروا طريق «الشمشرجى» لصعود سلالم المجد الزائف.

سيبقى هيكل فى ضمائرنا المعلم الأول لكل صحفى، يختار الانحياز للمجتمع والناس، وبؤرة تنوير يصعب إطفاء نورها الساطع. رحمك الله يا «أستاذ».

التعليقات