فشلت الحكومة السودانية على مدى سنوات طويلة فى التعامل مع الجوانب الإنسانية لمأساة دارفور. ومهما كان حجم الخلاف حول تحديد المسئولية المباشرة عن الصراع الدائر أو حول حجم هذا الصراع أو تعريفه، فلا يمكن أن نختلف على أن الناس فى دارفور يعيشون مأساة حقيقية. وقد تكون الحكومة الحالية منهمكة فى التعامل مع وضع سياسى وعسكرى غاية فى التعقيد وملجم بالمصالح المتصارعة، منها الغربى ومنها الشرقى، ولكن الوضع الاجتماعى والاقتصادى والبيئى فى دارفور يبقى الأهم، وهو اتهام أقوى بكثير من قرارات المحكمة الجنائية الدولية.
هذا الوضع المؤسف لأهالى دارفور، وهم سودانيون مسلمون، ولهم الحق فى أن يحظوا برعاية دولتهم وحمايتها، لا يمكن التعامل معه من خلال مظاهرات للتنديد بنظام دولى ظالم ومتحيز لأن الملايين المشاركين فيها ممن تهمهم حماية شرعية حكومتهم واستقلالها لن يفلحوا فى الحد من معاناة المهجرين من دارفور والمقيمين فى معسكرات تفتقر إلى أبسط الخدمات ولا توفر لساكنيها حياة آمنة، وهؤلاء يتجاوزن ثلاثة ملايين رجل وامرأة وطفل لا يجدون الحماية أو الأمان أو الحق فى الحياة والمأوى.
لقد مات من أهالى دارفور الألوف، ومن بينهم ما لا يقل عن خمسمائة امرأة ــ حسب أدلة دامغة قدمتها منظمة أطباء بلا حدود عام 2005 ــ تعرضن للاغتصاب والانتهاك الجنسى على يد ميليشيات الجنجاويد. وقد كتب الكثير من المعلقين من العارفين ببواطن الأمور وتشابك المؤامرات أن الوضع أكثر تعقيدا مما يبدو، وأن الجرائم الدولية أنواع مختلفة، وأن الإبادة تختلف عن المذبحة، وأن شن الحروب ضد شعب متمرد حق سيادى للدولة، وأن قبائل (الفور) تفتقر إلى الولاء لدولة السودان لأنها ــ وهذا نمط حياتها ــ قبائل بدوية لا تلتزم بالحدود الدولية. ويبدو أن هذه التفسيرات مقنعة لدرجة أن الشارع العربى لم يعر قضية دارفور انتباها سوى عندما جرى تصويرها فى مراحلها الأخيرة على أنها تدخل فى شأن داخلى سودانى. وإن كان الشارع العربى لم يكترث بأهل دارفور، فإن المؤسسات والحكومات العربية أيضا بدت مواقفها ضعيفة، إذ حتى لو كان هذا الموقف الرافض لقرار المحكمة الجنائية الدولية محقا، فستبقى معنا مأساة شعب جائع ومنهك ومشرد وعطشان ومنتهك. وستبقى معنا أيضا فضيحة استخدام العنف الجنسى واغتصاب النساء كأداة للترهيب والإذلال باعتبارها من سمات هذه الحرب المخزية. لقد صدر قرار مجلس الأمن رقم 1820 لسنة 2008 والذى أكد أن الاغتصاب والانتهاك الجنسى جريمة حرب مثلها مثل التصفية الجسدية للمدنيين، وأن هذا الأسلوب الغادر المستخدم لاقتناص الانتصارات الحربية السهلة غير مقبول دوليا وإنسانيا. والمعنى هنا أن استخدام هذه الأساليب البدائية مثل التعذيب والاغتصاب هى أسلحة من ليس لديهم أسلحة متطورة حديثة وفتاكة. ولكن هذا لا يعنى أن هذه الأساليب المستخدمة ضد النساء وأحيانا الأطفال العزل أقل إيذاء من التكنولوجيا الحديثة.
إن دارفور منطقة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وأهمها المياه، وهى ذات طبيعة عرقية وقبلية معقدة وغير مستقرة، وهى أيضا منطقة فقيرة وبعيدة، وتحتاج إلى الوجه الحسن للدولة الحديثة. فإن كانت الحكومة السودانية تدعى الآن أنها تعمل على إقرار السلام فى هذه المنطقة، وعلى حماية سكانها، فالأكيد أنها سبق وأساءت التعامل مع هؤلاء السكان عندما قصرت فى واجبها كدولة وميزت بين مواطنيها وتأخرت فى التعامل مع احتياجاتهم اليومية والحياتية، وتركتهم يتصارعون على الموارد المائية، وبذلك أسست لصراع محلى اتخذ الآن طابعا دوليا. ولكن يبدو أننا كشعوب عربية قررنا أن هذا المكان البعيد لا يعنينا فى شىء ، وأن هويتنا العربية لا تستلزم الاهتمام بأى قضية تنموية أو إنسانية وإنما هويتنا مجرد آلية للتعامل معها أو التصدى للغرب.