شنطة سفر - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 26 سبتمبر 2021 7:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

شنطة سفر

نشر فى : السبت 24 يوليه 2021 - 6:30 م | آخر تحديث : السبت 24 يوليه 2021 - 6:30 م

أهوى مراقبة حقائب السفر على سير الأمتعة فى المطار ومنظر الناس وهم يتزاحمون لالتقاط ما يخصهم، فى حالة ترقب واستنفار تام. تتأكد فورا أنك وصلت إلى القاهرة حين تجد أحدهم قد تبرع وقرر إنزال الحاجيات من على السير وتكويمها على الأرض خارج مسارها الطبيعى، والأصوات تتعالى من حولك حتى تصل إلى حد الصراخ. بسهولة تستطيع تمييز القادمين من دول الخليج العربى محملين بكل ما يبدو لهم غاليا ونفيسا، وقد انتفخت شنطتهم وتدحرجت الأكياس البلاستيكية الكثيرة من فوقها. أتوقف عند العلامات المميزة التى اختارها البعض للتعرف على حقائبهم وهى تجرى على السير، فتجد من وضع فيونكة صفراء كبيرة بالقرب من اليد، وآخر غطى حقيبته بالملصقات أو انتقى لنفسه من البداية لونا زاعقا حتى لا تشبه شنطته مئات الأمتعة السوداء والزرقاء التى تتوالى أمام عينيه.
يتدافع وفد من الحجيج ليلحق بطائرة بلاده، متجهين نحو طابور الترانزيت.. مجموعة من السيدات المغربيات المسنات وضعن على رءوسهن وظهورهن بقج ضخمة من القماش. انحنت أجسامهن بتضاريسها البارزة تحت وطأة الحمولة التى فضلن أن تبقى فى حوزتهن. لم تختف بقج النساء من حياتنا، قطعة القماش المربعة التى توضع الملابس فى وسطها أو كل ما يلف من الأشياء وتُرد عليها أطراف القماشة الأربعة فتصبح على شكل صرة، وهى كلمة عثمانية معربة لاتزال موجودة فى اللغة التركية الحديثة (bohca) وبالتالى نجدها حتى الآن فى لهجاتنا العربية المختلفة مثل المصرية والعراقية والشامية، لتدل على هذه الحقيبة السحرية البدائية التى تتسع لكل ما يحتاج إليه المرء وصارت فى أحيان كثيرة عنوانا للجوء، فقد ارتبطت فى الأذهان بمشهد النازحات اللائى أجبرن على ترك بيوتهن فى عجالة هربا من الموت والقصف. صورة امرأة تهرول للخروج من مدينتها أو قريتها وعلى رأسها بقجة ملونة جمعت فيها بعض الأغراض الضرورية، تثبتها بيد وتمسك طفلها بالأخرى. تفصيلة مهمة لا يمكن إغفالها لأنها تعنى لهؤلاء وداعا وترحالا سيدوم مدى الحياة، وتعنى لنا مشهدا إعلاميا متكررا.
•••
«بقج الحكايات» هى شكل من أشكال الحقائب التى تطورت عبر العصور خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، فصارت الحقائب أخف وزنا من تلك التى استخدمها الناس فى القرون الفائتة، لم تعد تشبه تلك الصناديق القديمة من المعدن أو الخشب التى كانت تعج بها السفن والبواخر والقطارات، وإن ظلت الأحداث الجارية تذكرنا أن التطور والتقدم لا يتعديان أحيانا الملامح الخارجية الهشة، وذلك حين نتابع مثلا مشهدا سرياليا من لبنان وقد تحولت حقائب اللبنانيين أخيرا إلى «صيدليات طائرة»، فالمغتربون يعودون إلى بلدهم الجميل محملين بالأدوية بدلا من الهدايا لسد العجز الداخلى، والأهالى يتوافدون للحصول على أدويتهم فور معرفة خبر الوصول، أدوية مضادة للالتهابات وللضغط والسكرى والكوليسترول والباركنسون والسرطان، فضلا عن الكثير من مضادات الاكتئاب.
حقائب منتفخة وملقاة على الأرض تحمل علامات مختلفة عن وجهات المسافر وخط سيره. طالب علم فى الخارج، خادمة آسيوية لم ترَ أهلها من سنتين وتذهب إليهم فى زيارة، فنانة مدعوة لمهرجان وتمسك فى يدها بفستان حفل الافتتاح وقد تم تغليفه بعناية، مُغَامِرة اكتفت بما خف وزنه لأنها ستمشى كثيرا من مدينة إلى أخرى، شخص اعتاد التنقل وحضور المؤتمرات... الحقائب وأحجامها وطرق تحضيرها تشى بالكثير حول أصحابها وطبيعتهم. هذا رجل يحتاج من يعاونه لترتيب حقيبته ويعتمد بالكامل على السيدة التى تصاحبه، وهذا شخص يفعل كل شىء فى آخر لحظة بعكس من هو إلى جواره الذى يعتنى بالتفاصيل ويفكر قبل أيام فيما سيضعه فى حقيبته هو وزوجته ويحدد ملابسه مسبقا، أما تلك السيدة الشقراء الممتلئة فهى لا تستطيع إنجاز أى مهمة بمفردها حتى بعد أن امتد بها العمر. هناك من يحمل منزله وعاداته بالكامل داخل حقيبة، من يخشى أن ينقصه شيء ويخاف من المجهول، وهناك من سئمت الترحال وصار ترتيب الشنطة بالنسبة لها مرادفا لعدم الاستقرار وقلة الأمان، وهناك من رحلت عن منزلها غاضبة وواضح أنها حشرت ملابسها فى الحقيبة بالشماعات على طريقة ماجدة الصباحى فى الأفلام القديمة...
•••
أنماط الشخصيات وخصالها يمكن قراءتها من خلال الحقائب وهى تتهادى على السير أو تتراكم على العربة الصغيرة ذات العجلات فى حضور موازٍ للمسافر، والمسألة تتعلق بالطبائع والصفات ونسب الأشياء لدى كل منا، مزيج من الاندفاع والتهور والتفكير والتردد والاعتمادية والنرجسية والأنانية والتذمر والفوضى والنظام والفرح، إلى ما غير ذلك، فنحن نحمل قصتنا فى بقجتنا.

التعليقات