تدفق المعلومات وسطوة الميديا - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 مايو 2022 9:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. ما هو أفضل مسلسل دراما رمضاني في الموسم الحالي؟








تدفق المعلومات وسطوة الميديا

نشر فى : الجمعة 24 ديسمبر 2021 - 8:20 م | آخر تحديث : الجمعة 24 ديسمبر 2021 - 8:20 م

 

بدأنا حديثنا فى المقال السابق عن مأزق التفكير العلمى وثقافة الصورة (التليفزيون والدش وأغانى المهرجانات.... إلخ)، وقلنا إن أصحاب الثقافة العلمية الإلكترونية من ناحية وأصحاب الثقافة الأصولية، من الناحية الأخرى يقدم كل منهما مشروعًا لإعادة تشكيل المرجعية الجماعية وأساليب فكرها المستقبلى، وأن الثقافة الإلكترونية الحديثة التى تجتاح الأجيال ليست مجرد متعة وتسلية ــ كما يظن البعض ــ كما أن الثقافة الأصولية ليست مجرد دعوة والتزام، فالطرفان ينزعان لإعادة صياغة المجتمع، أما اليوم فسوف نتحدث عن الطرف الآخر الذى يحاول السيطرة على المجتمع المصرى بالأصولية الدينية.
•••
لا شك أن الثقافتين (الإلكترونية والدينية) تمثلان حصارًا للتفكير العلمى العقلانى وتجلياته، ولقد قام التفكير العلمى على النقد ونقد النقد، وانطلق فى سلسلة انتصاراته تاريخيًا حتى لنقد القوانين العلمية التى تربعت على عرش اليقين لفترات طويلة.
واليوم نجد أن التفكير العلمى مُعرض لسلب دوره وحصاره فى دوائر ضيقة تشدد عليه الخناق وتمنعه من ممارسة تأثيره المجرد والمنفتح، فى حين أنه لم يسبق فى أى حقبة تاريخية أن كان التفكير العلمى النقدى وثقافته ضروريًا، كما هو الحال الآن وخاصة فى مصر، فمن ناحية نجد ثقافة الصورة (التليفزيون والدش والعلوم والفنون الحديثة... إلخ) تدعى امتلاكها الحل المثالى لخلاص الإنسان، ومن الناحية الأخرى نجد الأصولية تقدم الحل فى الإيمان بغير نقاش للعقيدة ومحتواها وأهدافها، وليس هناك مشاركة إلا من موقع التسليم والتبعية، وهنا تتضح خطورة القولبة، أى صب العالم بكل ثقافاته المتنوعة فى ظلامية قديمة تبلغ بها أقصى درجات التأثير المشابه لتأثير الإيمان الدينى، أى ببساطة شديدة إعادة صياغة العقول من خلال رسائل متقنة وموجهة، فهى تختزل كيان الإنسان فى بُعد اللذة الاستهلاكية وثقافة اقتصاد السوق، ولقد بلغ عدد صفحات شبكة الويب من المعلومات فى عام أكثر من 100 مليون وثيقة. فتخيل ــ عزيزى القارئ ــ الرقم اليوم، هذا فضلا عن أن تطبيقات العلم والتكنولوجيا فى المعلومات تزيد ١٤٪ كل سنة وتتضاعف كل خمس سنوات ونصف، وأن ما تنشره جريدة مثل نيويورك تايمز من معلومات خلال أسبوع واحد فقط يفوق متوسط ما كان يكتبه المتعلمون فى القرن السابع عشر خلال حياة كاملة، والعالم كله يطبع أكثر من ١٠٠٠ كتاب جديد فى اليوم الواحد فى كل المجالات رغم كل الادعاءات بموت الكتاب المطبوع وازدهار النشر الإلكترونى. وهكذا كان من المفترض أن تصب ثورة المعلومات هذه فى صالح التفكير العلمى الذى يعتمد أساسًا فى توجهاته وقراراته على كم المعلومات المتوافرة لديه فى أى قضية من القضايا، لكن الحقيقة والواقع يقولان إن ثورة المعلومات أصبحت سيفًا ذا حدين، فتدفق المعلومات وانفجارها جعلها بين أصابعنا وفى متناول أيدينا فى أى وقت، فالمعلومات تحيط بنا وتكاد تغمرنا وتسحقنا، فهى تطاردنا وتحاصرنا وتمسك بتلابيبنا فى كل مكان به جهاز كمبيوتر، ورغم ذلك لا يمكن أن نجد ما نبحث عنه بالشكل الذى نريده، وهكذا تصبح عملية البحث عن معلومة معينة مثل البحث عن إبرة فى كومة من القش، ويغرينا الإنترنت ويحثنا على الإبحار فيه من موقع لآخر ويُشعرك بالغيظ والحيرة، وتجد نفسك لا تملك الوقت ولا الجهد والقدرة إلا على حمل بعض المعارف المتواضعة بعد رحلة عذاب تُشعرك بالاكتئاب والمرض والضعف فلا تعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهى؟ والحال اليوم أصبح أن أغنياء المعلومات يعانون من كثرتها بينما فقراء المعلومات يعانون من ندرتها، ففقر المعلومات يضعف علمية اتخاذ القرار حيث نقص الوسائل التى تحولها إلى معارف أو تلك التى تحول البيانات إلى معلومات والمعلومات إلى علم، وهذا هو الفارق بين المعلومات والتفكير العلمى، فالتفكير العلمى هو الذى يقرأ ما بين السطور وما بين الأرقام ويتخذ القرار، لذلك فقر المعلومات يُسبب نتائج تُنذر بكوارث، وبالتالى نقص المعلومات يضعف قوة مساومة الدولة فى المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف سواء ذات الطبيعة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية. أما الدول الغنية فربما تعرف مصادر الطاقة الطبيعية فى البلاد النامية أكثر من أهلها بسبب الأقمار الصناعية، ولذلك نجد أن عيوب فيض المعلومات أقل كثيرًا من عيوب ندرتها، فإن كان فيض المعلومات يؤدى إلى تأجيل القرار أكثر من مرة لتوافر معلومات جديدة والتردد فى اتخاذ القرار والسيطرة على من ليس لديهم معلومات إلا أنه فى كل الأحوال أفضل من الضياع والتهميش بسبب فقر المعلومات.
***
إن من أهم المتغيرات الكوكبية هو ما يُدعى إعادة اكتشاف الخرافة وهذا الأمر نجده يكمن فى الأحاسيس من الدرجة الأولى، وهو هنا لا يعتبر الأحاسيس مضادة للعقل بل هى تشكل أساسًا له، وهو يعتبر أن العواطف وسائل اجتماعية فطرية للتعبير، والعواطف الإنسانية فى الأساس نجدها فى رعاية الأم لوليدها وفى اللعب والأحلام، وهذه القدرات البيولوجية عند الإنسان تحيل الشعور إلى نمط مثل نمط الخرافات، وتُعتبر هذه الخرافات هى الرد على غطرسة التفكير العلمى الذى يتحول إلى قيود تكبح السلوك الإنسانى، بينما الخرافة تُقدم أساسًا مجموعة من المشاعر الوجدانية اللازمة للعلاقة العاطفية بالعالم الخارجى، وفى تعريف آخر للخرافة: أنها أساس صدقنا غير الواقعى وغير العقلانى فهى مزيج مختلط من إدراك الإنسان فيما قبل التاريخ وما قبل الحضارة وما بعدها.
ولاشك أن خرافة قصص الأجداد قبل النوم ونحن أطفال أضفت نوعًا من التفسير على النقاط المعتمة من عقلنا، لكن بدفن الخرافة بالتفكير العلمى فُتحت الحظيرة التى كانت تأوى الحيوانات الغامضة التى تسكن اللاوعى الإنسانى (أبو رجل مسلوخة والعفريت... إلخ) فانطلقت خارجًا بافتراض أنها أشباح لا معنى ولا وجود لها.
إذن هل استرجاع الخرافة وجمع أشلائها هو الحل وذلك لأنها هى التى تغذى الخيال الشعرى للحياة اليومية فى مواجهة التقنيات الجديدة وتدفق المعلومات؟ وهل يمكن لإعادة صياغة الهوية الجماعية المحدودة العدد أن تشكل أساسًا للحركات الاجتماعية التى تتحدى هيمنة النظام العالمى (راجع فلسفة الجماعات الإرهابية فى تأكيدها للهوية) وتحديها للعالم ككل؟.
إن التغيرات الكوكبية من تدفق المعلومات وسطوة الميديا تقوم بتشويه العلاقة العاطفية الخيالية بالوجود لصالح المعرفة، وقد دعاه البعض التنوير غير المحتمل للوجود، فالتنوير أو التحديث يرتبط عامة برؤية ترى أن التفكير العلمى والتكنولوجيا والقيم العقلية تدفع بالتقدم قدمًا، ولقد كان الحلم هو تحقيق عالم عقلانى تسوده الحرية والمساواة والتقدم اللا محدود، عالم تقوم فيه الاختراعات الناجمة عن العلم والتكنولوجيا بتأمين استقلالية البشر، لكن حين بلغ ذروته فى عصرنا أدرك الإنسان الحر رؤيته الشيطانية التى كانت متوقعة منذ البداية، والتى تمثلت فى اغتراب روح الإنسان وجسده وعقله، والنتيجة ان التنوير غير قادر على فهم واحتواء إنسانية الإنسان وعواطفه، لذلك أنتج عكس ما أراد؛ أصوليات عنيفة، وأخرى غير عنيفة نراها منتشرة وبقوة فى دور عبادتنا وفى قياداتنا الدينية.
***
وهنا يحق لنا أن نرثى لحال الإنسان الحديث الذى ينظر إلى الكون كآلة أو نظام منضبط أو قانون غير حقيقى ويعتبر عقله مجرد ماكينة، فمن الممكن تحويل الشخصية الإنسانية إلى أساس آلى أو مادى ولكن بشرط إنكار الجوانب الأكثر إنسانية أو إزاحتها. إن هذه الأنماط تنتمى إلى عالم تجرد من إنسانيته وتوارت فيه كل السمات الإنسانية خاصة الدفء العاطفى والتعاطف.
يقول يوجين هالتن: «هل آن الأوان لإيجاد منهج جديد لتجديد العقل؟ لا شك أن هذا مشروع يتطلب تحولًا فى القيم والرؤى، فتجديد العقل يشمل فتح الأبواب لتراث البشرية التاريخى بل وقبل التاريخى بأسره، وذلك لتجديد قيم الأسرة والبيت والجيرة والمجتمع المحلى والعلاقات الودية؛ وأيضًا للتجديد الجوهرى العضوى والتواصلى للهو والأحلام وحنو الأم على وليدها وغيرها من مواريث أصلنا الثديى البشرى اللازمة لتطور الذات العفوية، وإقامة ثقافة عالمية تدعم الحياة بقيم النقد الذاتى القادرة على دعم حيوية الخصائص المحلية وحمايتها». وأختم حديثى بقول فاكلاف هافيل «يبدو لى أن الإنسان له ما نسميه قلب إنسانى، ولكن يبدو أن فيه شيئًا من القرد داخله، والعصر الحديث يتعامل مع القلب كمضخة وينكر وجود القرد فينا، لذا فإن هذا القرد الذى ليس له وجود رسمى ينطلق هائجًا دون أن يراه أحد».
وهو ما يفعله كل واحد منا عندما يجلس بمفرده بعد يوم طويل من العمل والرسميات والتعامل مع الآلة فإذ به يصرخ ويضرب بقدميه ويديه، ويصفق ويضحك ويقفز... إلخ، أو عندما يقابل (أبناء مهنته) بعيدا عن الجمهور وأسرهم تراهم يتراقصون كالقرود مع بعضهم البعض ويلقون نكاتًا فى تهريج لا ينقطع.

أستاذ مقارنة الأديان

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات